727

Tefsir-i Geylani

تفسير الجيلاني

Bölgeler
Türkmenistan
İmparatorluklar & Dönemler
Selçuklular

وكيف لا يجازي الكفرة سبحانه بأسوء الجزاء؟ إذ { هم الذين كفروا } بالله ظلما وعدوانا { و } لم يقتصروا على الكفر فقط، بل { صدوكم } أي: حصوركم وصرفوكم { عن المسجد الحرام } عام الحديبية { و } الحال أنه قد صار { الهدي } أي: الذبائح والقرابين التي ساقها رسول الله { معكوفا } محبوسا قريبا أن { } يبلغ محله أي: مذبحة الذي عينه الله لذبح الضحايا، وهو المنى.

{ ولولا رجال مؤمنون ونسآء مؤمنات } في خلالهم، لم يكف سبحانه أيديكم عنهم، بل نصركم عليهم واستأصلتموهم بالمرة، لكن لما كان بينهم من المؤمنين والمؤمنات كف سبحانه أيديكم عنهم مخافة { لم تعلموهم } أي: المؤمنين المخلوطين بهم، ولم يميزوهم من الكفار { أن تطئوهم } تدوسوهم { فتصيبكم منهم } أي: من أجل المؤمنين المخلوطين بالكافرين وجهلهم { معرة } أي: مضرة وكروه من لزوم دية وكفارة، وإثم عظيم وتعيير شديد، وغير ذلك من المنكرات مع أنه إنما صدر عنكم الوطاءة والدوس لو صدر { بغير علم } وخبرة، وإنما كف أيديكم عنهم حين أظفركم عليهم { ليدخل الله } المطلع بما في استعدادات عباده من الإيمان والكفر { في رحمته } التي هي التوحيد والإسلام { من يشآء } منهم حتى { لو تزيلوا } وتفرقوا أي: المؤمنين من الكافرين { لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما } [الفتح: 25] في غاية الإيلام من السبي والجلاء وأنواع المصيبة والبلاء.

اذكر يا أكمل الرسل إذ { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية } الأنفة والغيرة لا على وجه الحق بل { حمية الجاهلية } وذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل الحديبية، فهم بقتال أهل مكة، بعثوا سهيل بن عمر وحويطب بن عبد العزى ومكرز بن حفص؛ ليرجع من عامه، وتخلى له مكة من العام القابل ثلاثة أيام.

" فقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: " اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة " ، فقالوا: ما نعرف هذا، اكتب: بسمك اللهم، هذا ما صالح محمد بن عبد الله.

فقال صلى الله عليه وسلم: " اكتب ما يريدون "

فكتب، فهم المؤمنون أن يبطشوا { فأنزل الله سكينته } ووقاره { على رسوله وعلى المؤمنين } إذ هم أحقاء بالطمأنينة والوقار وكظم الغيظ وتوطين النفس بالمكاره { و } بالجملة { ألزمهم } سبحانه { كلمة التقوى } واختار لهم صون النفس عن التهور والغلظة { وكانوا أحق بها } من غيرها { وأهلها } أي: كانوا أهلا لحفظها ورعايتها { و } بالجملة: { كان الله } المراقب لعموم أحوالهم { بكل شيء } يليق بهم وينبغي لهم { عليما } [الفتح: 26] يوفقهم عليه ويسهل عليهم الاتصاف به.

ثم لما رأى صلى الله عليه وسلم في منامه أنه وأصحابه دخلوا مكة أمنين، وقد حلقوا وقصروا، فقص صلى الله عليه وسلم الرؤيا على أصحابه، ففرحوا وظنوا أن ذلك في عامهم هذا، فلما تأخر بالصلح والمعاهدة، قال بعضهم: والله ما حلقنا وما قصرنا وما رأينا البيت، فنزلت: { لقد صدق الله رسوله الرءيا } أي: جعله سبحانه صادقا في ما رأة ملتبسا { بالحق } والله أيها المؤمنون { لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين } من العدو؛ إذ ما أريناه ما أريناه إلا بالحق { محلقين رءوسكم } على الوجه المتعارف { ومقصرين } كما هو عادة الحجاج يحلق بعضهم ويقصر بعضهم، وبالجملة: { لا تخافون } بعد ذلك؛ إذ الله معكم { فعلم ما لم تعلموا } من أنفسكم، ولا تستعجلوا إلى الفتح؛ إذ هو مرهون بوقته { فجعل } لكم { من دون ذلك } أي: فتح مكة { فتحا قريبا } [الفتح: 27] هو فتح خيبر؛ ليطمئن به قلوبكم إلى أن يتيسر لكم الفتح الموعود الذي أخبر به نبيكم الصادق المصدوق.

وكيف لا يصدق سبحانه مع أنه { هو الذي أرسل رسوله } ملتبسا { بالهدى } والإرشاد إلى سبيل توحيده { ودين الحق } الفاروق بين الباطل والضلال، ووعد له { ليظهره } أي: دينه { على الدين كله } أي: جنس الأديان النازلة من عنده بأن نسخ الجميع به { وكفى بالله شهيدا } [الفتح: 28] على صدقه في رؤياه وفي دعوته ونبوته، وإظهار أنواع المعجزة بيده.

إنه قال سبحانه: { محمد رسول الله } حق، مرسل من عنده، مبعوث إلى كافة البرايا؛ ليهديهم إلى توحيده الذاتي { والذين معه } من المؤمنين له، المصدقين لدعوته، المتعطشين بزلال مشربه { أشدآء على الكفار } الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الآفاق والأنفس، يدفعون مؤمنة كثراتهم الوهمية بترويج الحق على الباطل، وإعلاء كلمة التوحيد، وتقويم الدين القويم وإظهاره على سائر الأديان { رحمآء بينهم } متواضعون مع أهل الحق وأرباب التوحيد؛ لذلك { تراهم } في عموم أوقاتهم { ركعا سجدا } أي: راكعين، ساجدين، متذللين، خاضعين، خاشعين، بلا رعونة ولا رياء ولا سمعة ولا هوى، بل { يبتغون } ويطلبون بتذللهم هذا { فضلا من الله ورضوانا } منه سبحانه، وبالجملة: { سيماهم } أي: سمتهم وعلاماتهم الدالة على نجابة طينتهم وكرامة فطرتهم ظاهرة { في وجوههم من أثر السجود } وكثرة التذلل والخشوع نحو الحق { ذلك } المذكور من أوصافهم { مثلهم } وصفتهم العجيبة المذكورة { في التوراة ومثلهم } هكذا أيضا { في الإنجيل }.

وبالجملة: مثلهم في بدء ظهورهم وخروجهم أولا في غاية الضعف والنحافة، واشتدادهم وغلظهم على الأعداء، ووفور رأفتهم ورحمتهم على الأولياء ثانيا { كزرع } أي: كمثل زرع وقع على الأرض ضعيفا وبرز منها نحيفا، ثم ظهر عليها ونبت قويا يوما فيوما إلى حيث { أخرج شطأه } أي: أفراخه وأغصانه دقيقا دقيقا { فآزره } قومه بالمعاونة { فاستغلظ } وعاد غليظا بعدما رباه وأحسن تربيته { فاستوى } واستقام بعد ذلك { على سوقه } أي: قصبه وساقه على وجه { يعجب الزراع } عند رؤيته بكمال كثافته وغلظته ونضارته ولطافته.

Bilinmeyen sayfa