Tefsir-i Geylani
تفسير الجيلاني
ولهذا يتفاوت أشخاص الإنسان في المعارف والحقائق وجميع الأمور المتعلقة بالعقل المتفرعة على الإدراك بحسب الأدوار والأعصار، بل في زمان واحد أيضا؛ إذ بعضهم في نهاية البلادة، وبعضهم في كمال الجلادة، وبعضهم في كمال الحسن واللطافة، وبعضهم في نهاية الكثافة والقباحة.
وبالجملة: له سبحانه التصرف في ملكه وملكوته بالاستقلال والاختيار بلا فترة وفتور في علمه وقدرته وإرادته، إذ هو سبحانه منزه عن السآمة والملال، وأوصافه بريئة عن وسمة الفترة والكلال { إن الله } القادر المقتدر بالقدرة التامة { على كل شيء } تعلق به إرادته ومشيئته { قدير } [فاطر: 1] لا بد أن يتكون باختياره بلا تخلف كل ما لمع عليه برق إرادته.
ومن كمال قدرته سبحانه أنه { ما يفتح الله } المدبر لأحوال عباده { للناس } الناسين حقوق تربيته وتدبيره سبحانه { من رحمة } فائضة لهم بمقتضى جوده تفضلا عليهم من النبوة والرسالة والولاية والكرامة والعلم والمعرفة والرشد والهداية، وغير ذلك من الكمالات الفائضة من عنده سبحانه { فلا ممسك لها } أي: لا مانع لها يمنعها عنهم { وما يمسك } ويمنع سبحانه من أمر بمقتضى قهره وجلاله { فلا مرسل له } يرسله إليهم { من بعده } أي: بعد منعه سبحانه { و } كيف يسع لأحد ما يمنعه؛ إذ { هو العزيز } المقصود، المنحصر ذاته على العزة والغلبة، لا عزيز دونه { الحكيم } [فاطر: 2] المستقل في المنع والإرسال إرادة، لا يسأل عن فعله، ولا مبدل لقوله: ولا معقب لحكمه.
ثم نادى سبحانه أهل النعمة وخاطبهم؛ ليقبلوا عليه ويواظبوا على شكر نعمه فقال: { يأيها الناس } المجبولون على الغفلة والنسيان { اذكروا نعمت الله } الفائضة { عليكم } واشكروا له؛ أداء لحقوق كرمه، وتفكروا في آلائه ونعمائه { هل من خالق غير الله } المتوحد بوجوب الوجود ودوام البقاء { يرزقكم من السمآء والأرض } أي: من امتزاج العلويات بالسفليات، واختلاط الفواعل والأسباب مع القوابل والمسببات المسخرة تحت قدرة العليم الحكيم؛ لينكشف لكم ويتبين أنه { لا إله } يعبد بالحق ويتوجه إليه، ويسند الحوادث إلى حكمه والنعم الفائضة إلى فضله وجوده { إلا هو } الله الحق الحقيق بالإطاعة والرجوع، لا مرجع سواه ولا مقصد إلا هو { فأنى تؤفكون } [فاطر: 3] وكيف تصرفون عن توحيد، وتردون عن بابه أيها الآفكون المجرمون.
{ و } بعدما بعثت يا أكمل الرسل لإرشاد أهل الضلال وتبليغ الرسالة إليهم، فلك أن تتصبر على المتاعب والمشاق الواردة في حملها { إن يكذبوك } هؤلاء الضالون بعدما دعوتهم إلى الحق، فتأس إخوانك الرسل واصبر على أذى تكذيبهم { فقد كذبت رسل } عظام كثير { من قبلك } أمثالك، فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا { و } هم قد علموا أنه { إلى الله } الواحد الأحد، القادر المقتدر على الإنعام والانتقام، لا إلى الوسائل والأسباب العادية { ترجع الأمور } [فاطر: 4] الكائنة من التصديق والتكذيب والصبر والأذى، وغير ذلك من الحوادث؛ إذ كلها مستندة إلى الله أولا وبالذات، حاضرة في حضرة علمه، ثابتة في لوح قضائه، يجازي كلا من المحقين والمبطلين، المصدقين والمكذبين على مقتضى علمه وخبرته.
[35.5-8]
{ يأيها الناس } المهمكون في بحر الغفلة والنيسان، التائهون في تيه الغرور والخسران { إن وعد الله } الذي وعده في النشأة الأخرى لعموم عباده شقيهم وسعيدهم، مطيعهم وكافرهم { حق } ثابت، لازم إنجازه على الله بلا خلف، فلكم أن تتزودوا لأخراكم وتهيئوا أمر عقباكم؛ كي تصلوا إلى ما أعد لكم مولاكم { فلا تغرنكم } وتعوقنكم { الحياة الدنيا } ولذاتها الفانية وشهواتها الزائلة عن الحياة السرمدية، والبقاء الأبدي واللذات الأزلية { ولا يغرنكم بالله الغرور } [فاطر: 5] يعني لا يلبس عليكم الشيطان المكار الغرار الغدار بأن يوقع في قلوبكم أن رحمة الله واسعة وفضله كثير ولطفه عام، وأن الله سبحانه مستغني عن طاعتكم وعبادتكم، وأن فعل الإيلام لا يتصور من الحكيم العلام، إلى غير ذلك من الحيل العائقة لكم عن التقوى والتزود للنشأة الأخرى.
{ إن الشيطان لكم } يا بني آدم { عدو } قديم، مستمر عداوته من زمان أبيكم { فاتخذوه } أي: الشيطان، أنتم أيضا { عدوا } لأنفسكم عداوة مستمرة بحيث لا تصغوا إليه ولا تقبلوا منه قوله، ولا تلتفتوا إلى تغريره وتلبيسه أصلا، فإنه يواسيكم ويغريكم إلى مشتهيات نفوسكم، ويوقعكم في فتنة عظيمة، كما أوقع أباكم آدم عليه السلام فعليكم أن تجتنبوا عن غوائله، حتى لا تكونوا من حزبه { إنما يدعوا حزبه } على الغواية والضلال { ليكونوا من أصحاب السعير } [فاطر: 6] المعد لأصحاب الشقاوة الأزلية مثل الشيطان وأحزابه وأتباعه.
نجنا بفضلك من سخطك، وأعدنا بلطفك من تغرير عدونا وعدوك.
ثم قال سبحانه كلاما جمليا، شاملا لعموم العباد؛ تذكيرا وعظة، مشتملا على الوعد والوعيد بكلا الفريقين: { الذين كفروا } أي: ستروا الحق وأعرضوا عنه في النشأة الأولى عنادا ومكابرة { لهم عذاب شديد } إي: إحراق بالنار في النشأة الأخرى؛ جزاء لما اقترفوا في النشأة الأولى؛ إذ لا عذاب أشد من الإحراق { والذين آمنوا } بتوحيد الله، وصدقوا رسله المؤيدين من عنده بالصحف والكتب المنزلة إليهم، المبينة لسلوك طريق التوحيد والعرفان { وعملوا الصالحات } المأمورة لهم في تلك الكتب والصحف { لهم } في النشأة الأخرى { مغفرة } ستر وعفو لما صدر عنهم من الذنوب قبل الإيمان والتصديق { وأجر كبير } [فاطر: 7] وجزاء عظيم على ما عملوا بعده بمقتضى الأمر الإلهي المبين في الكتب المنزلة من عنده.
Bilinmeyen sayfa