486

وذلك وقت { إذ قال لهم أخوهم نوح } حين ظهرت عليهم أمارات الكفر والفسوق، والخروج عن مقتضى الحدود الإلهية الموضوعة على العدالة المعنوية، والقسط الحقيقي: { ألا تتقون } [الشعراء: 106] وتحذرون عن محارم الله أيها المكلفون المسرفون.

{ إني لكم رسول } من قبل الحق { أمين } [الشعراء: 107] بينكم، أرشدكم إلى ما يعنيكم وينفعكم، وأجنبكم عما يضركم ولا يعنيكم، بل يؤذيكم ويغويكم.

{ فاتقوا الله } القادر المقتدر على أنواع الانتقام { وأطيعون } [الشعراء: 108] في جميع ما جئت به من قبل ربي.

{ و } اعلموا أني { مآ أسألكم } وأطلب منكم { عليه } أي: على إرشادي وتكميلي وإصلاحي لكم ما أفسدتم على أنفسكم من الأخلاق والأعمال { من أجر } جعل ومال كما يسأل المتشيخة - خذلهم الله - من مريديهم ومحبيهم، بل { إن أجري } أي: ما أجري { إلا على رب العالمين } [الشعراء: 109] فإنه سبحانه أرسلني إليكم، وأمرني بتبليغ ما أوحي إلي إليكم.

{ فاتقوا الله } حق تقاته، واحذروا من بطشه وانتقامه { وأطيعون } [الشعراء: 110] في جميع ما جئت به من عنده من الأوامر والنواهي المصلحة لمفاسد أحوالكم؛ حتى تستقيموا وتعتدلوا في النشأة الأولى، وتفوزوا بما وعد لكم ربكم في النشأة الأخرى.

{ قالوا } في جوابه مستكبرين مستهزئين: { أنؤمن لك } ونتبعك نحن من شرفنا وثروتنا { و } قد { اتبعك الأرذلون } [الشعراء: 111] منا، الأقلون مالا، الأنزلون جاها ورتبة.

ومن هذا ظهر أن مناط الأمر عندهم على الحطام الدنيوية والمفاخرة بها، وإظهار الجاه والثروة بسببها، ومتابعتهم إنما هي لحصولها لا لأغراض دينية ومصلحة أخروية مصفية لبواطنهم عن العلائق العادية، والشواغل الهيولانية العائقة عن الوصول إلى مقر التوحيد.

لذلك { قال } نوح مشتيكا إلى الله، مفوضا { وما علمي } وإدراكي محيطا { بما كانوا يعملون } [الشعراء: 112] ويأملون في نفوسهم من أي غرض وسبب يؤمنون بي ويمتثلون بأمري؛ إذ ما لي اطلاع على ضمائرهم وسرائرهم، بل بظواهرهم.

{ إن حسابهم } أي: ما حسابهم المتعلق بمواطنهم وأسرارهم { إلا على ربي } المطلع لخفايا الأمور ومغيباتها { لو تشعرون } [الشعراء: 113] وتدركون ما أبثت لكم من الكلام لفهمتم ما هو الحق منه، ولكنكم أنتم قوم تجهلون؛ لذلك تقولون ما لا تعلمون وتفهمون.

[26.114-122]

Bilinmeyen sayfa