ومن الجائز حقا أن تكون السيدة قد ذهبت ولم تعد؛ لأنها واعدت صاحبتها أن تلقاها في مكان اتفقتا عليه، ولكن إلى أين ذهبت؟ ولماذا ذهبت؟
هنا الحيرة التي لا تدع للذهن أن يتجه خطوة إلى اليمين حتى يرجع فيتجه خطوة مثلها إلى الشمال، ثم يتبلد حائرا في موقفه لا إلى هنا ولا إلى هناك.
في الحي الذي قصدت إليه بيوت فيها مخادع محجوزة لطلاب الغواية، وفيه أسرتان بينهما وبين سارة ولاء وثيق، وبعض الأطفال في إحدى الأسرتين مريض، ويجوز أن تكون سارة قد ذهبت إلى مخدع من مخادع الغواية كما يجوز أنها ذهبت لسؤال عن الطفل ولم تصطحب طفلها خوفا عليه من العدوى، وما عدا ذلك من الاحتمالات يتقابل ويتوازن بحيث لا ترجح كفة على كفة، وإن رجحت إحدى الكفتين فإنما ترجح بالتخمين والتقدير، وليست الرقابة للتخمين بل لليقين القاطع المفصل الذي لا لبس فيه.
ويجيء أمين في يوم آخر بنبأ من هذه الأنباء التي تدنو بهمام إلى مدى خطوتين من الشاطئ ثم تقذف به في لمحة عين كما يقذف الموج الغريق إلى مدى آباد لا تعبر، وقد حدث نفسه بالنجاة.
ذهبت السيدة إلى دار الصور المتحركة ولقيها شاب مديد القامة، فحمل الطفل وقبله ودخل معها إلى الدار، وودعها بعد الانصراف إلى أن ركبت الترام الذي يصل بها إلى المنزل، فتبعها أمين ولم يتبع الشاب الذي هو موضع البحث والسؤال!
وتضاربت الظنون في وهم همام حتى كانا بعد يومين يسيران هو وأمين في الطريق، فأوشك أمين أن يقفز من جانبه ويعدو وراء شاب مقبع طويل وقد صاح في صوت مسموع: هذا هو الشاب!
فلم يمنعه همام أن يستمر في صياحه وعدوه إلا بمشقة، وأدرك الشاب وتبينه، فمن رأى أمامه؟ ... أخاها!
ولا ذنب لسهوات أمين في هذه القصة إلا في غفلته عن متابعة الشاب وإيثاره أن يتابع السيدة بعد ركوبها الترام ... كأنما المقصود أن يعرف منزلها لا أن يعرف من كان معها، أما البقية فالذنب فيها ذنب همام؛ لأنه كتم عن صاحبه كل ما يتعلق بسارة غير شخصها ومسكنها؛ حذرا من سهواته لا حذرا من نياته. •••
ولزمت سارة مسكنها يوما لا تريمه إلى زيارة ولا إلى مسرح، وتلك نادرة لم تتكرر فيما عدا أيام حفلاتها وولائمها غير مرات معدودات؛ فليس لسارة عالم تعيش فيه غير عالم الدنيا الواسعة وعالم الحب والمحبين.
أما عالم الضمير الذي يروده الإنسان وحده ويأنس فيه إلى التفرد والوحشة فذلك أبغض العوالم إليها وأثقلها وطأة عليها، لا تمكث فيه هنيهة إلا بإغراء كتاب، وقلما يكون الكتاب عندها إلا منفذا إلى الدنيا الواسعة، ودنيا الحب والمحبين.
Bilinmeyen sayfa