فلما سمعت صوته فتحت عينيها والدمع يغشاهما ونظرت إليه وهو في زي غير زيه. لكنها عرفت صوته وتفرست في وجهه وهي لا ترى شيئا من الدمع، فمسحت عينيها بكمها فعرفت عينيه فصاحت: «عماد الدين! أنت عماد الدين؟ من أرسلك إلي؟ لا. لا. لست عماد الدين. أنت خادم ذلك الخائن جئت لتأخذني إليه . بالله قل لي، هل أنت عماد الدين؟» وضحكت كالأبله المعتوه وقالت: «أنت عماد الدين؟ إن المعجزات لا تتكرر. نعم أتى عماد الدين لإنقاذي في مثل هذا الضيق فيا ليته يأتي الآن.» ثم سكتت كأنها استرجعت رشدها ومسحت عينيها ثانية ونظرت إلى عماد الدين نظر متفرس، وهو جاث بين يديها وعيناه شاخصتان في عينيها وقلبه يتفطر. فما لبثت أن تحققت أنها ترى عماد الدين فصاحت ملء فيها: «عماد الدين! عماد الدين!» وترامت عليه وقد أغمي عليها. فأنهضها، وتراكض الخدم بالماء فرشها به وأخذ يمسح وجهها وعينيها بمنديله، وسقاها جرعة من الماء فانتعشت وأعادت النظر إلى عماد الدين وهي تضحك ضحك طفل استرجع شيئا كان يبكي لفراقه.
لكن تلك الضحكة أبكت عماد الدين وقد شق عليه أن يرى تلك الملكة أخت الخليفة قد ذهب ملكها وصارت أسيرة في حيازة صلاح الدين، ثم سيقت كرها مع ذلك الشيخ اللعين، لكنه حالما تذكر أنه قتله سري عنه وعاد إلى تطمين سيدة الملك وقال: «صدقت، إني يا سيدتي عبدك عماد الدين.»
فصاحت: «ألا تزال تقول إنك عبدي، أنت سيدي وتاج رأسي. أنت منقذي من الموت والعار مرتين. أنت روحي. أنت حياتي. أنت ... آه ... دعني لقد خلعت العذار.» وغطت عينيها خجلا.
فانتبه عماد الدين لوجود ذينك الخادمين وكان قد عرف كرههما لأبي الحسن وشفقتهما على سيدة الملك فقال لكبيرهما: «ربما استغربتما ما رأيتماه في هذه الليلة، وقد علمت أنكما ناقمان على ذلك الشرير، وأن قلبيكما مع هذه، أليس كذلك؟» قال ذلك ومد يده إلى جيبه وفيه نقود أبي الحسن وأعطاهما بلا حساب.
فأعجبهما كرمه وأريحيته وأجابه أحدهما: «صدقت، ويظهر أنك لست خادما كما ادعيت، بل أنت أمير أرسلك الله لإنقاذ هذه السيدة، إنها قطعت قلبينا وأوشكنا أن نأخذ بيدها ونخلصها من ذلك الظالم.»
فقال: «إذن أنتما مسروران بنجاتها.»
قال: «ونحن رهينا الإشارة في أي خدمة تريدها منا ولو كانت قتل ذلك اللعين.»
قال: «لا حاجة إلى قتله، فقد كفانا الله شره في هذه الليلة. وهذه النقود التي كانت معه أعطيتكم بعضها وهذا البعض الآخر.» ودفع إليهما دفعة أخرى .
فزادهما دهشة فقال أحدهما: «قتلته؟ لا رحمه الله.»
وكانت سيدة الملك تنظر إلى عماد الدين وهو يخاطب الرجلين نظر الإعجاب والحب وعيناها غائرتان من الضعف والهزال وقد امتقع لونها. فلما سمعت التحدث بقتل أبي الحسن قبضت على عماد الدين واجتذبته نحوها وهي تقول: «قتلته؟»
Bilinmeyen sayfa