وكانت عصبية لا شك فيها، قد نسميها بالعصبية الأخوية، أو العصبية المحلية، أو العصبية الفخرية، ولكنها - بأي الأوصاف وصفناها - وزنة لازمة لتصحيح التقدير في موازين الأدب والأدباء، فلا تصح هذه الموازين ولا تعرف الحقائق التي كمنت زمنا وراء أسباب الإقبال والإعراض على مدارس الكتابة عندنا بغير الوقوف على معنى تلك العصبية.
ونسأل: ما معناها؟
فلا نستطيع أن نقول إنها عصبية من المعممين والمطربشين؛ لأن السيد توفيق البكري والشيخ عبد العزيز جاويش والشيخ حفني ناصف قبل ذلك كانوا من المعممين، ولكنهم لم يحسبوا في عداد الزمرة التي تجنح إليها تلك العصبية وتخصها بالتنويه والتفضيل.
كذلك لا نستطيع أن نقول إنها عصبية السبق إلى موضوع الكتابة المختارة؛ فإن المويلحي الكبير والمويلحي الصغير قد سبقا معا إلى الكتابة في موضوع المقالة الإنشائية والمقامة الأدبية، وكتب كلاهما في الصحف السياسية كما كتب علي يوسف دائما وكما كتب المنفلوطي أحيانا، ولكنهما لم يحسبا في عداد تلك الزمرة، ولم يسمع لكتاب «عيسى بن هشام» ذكر بين نماذج الإنشاء التي اختارها للتلاميذ مدرسو اللغة العربية كما اختاروا مقالات «النظرات» و«العبرات» و«المختارات» و«مجدولين» و«في سبيل التاج»، وكل كتاب ألفه المنفلوطي أو ترجمه بمعونة غيره.
ولم تكن العصبية عصبية المعهد الذي انتمى إليه علي يوسف والمنفلوطي؛ لأنهما أزهريان لم يتما التعليم الأزهري، والمدرسون الذين يزكونهما في دروس الإنشاء أو يتشيعون لهما في «الحزبية الأدبية» أكثرهم من خريجي دار العلوم، وبينهم وبين إخوانهم الأزهريين منافسة لا تخفى.
إنما كانت تلك العصبية في حقيقتها عصبية المعرفة باللغة الأجنبية والجهل بها، فهي لا تشمل المطلع على لغة أجنبية ولو كان من أصلاء المعممين كالسيد توفيق البكري، وهي لا تستثني أحدا يجهلها ولو كان من غير المعهد الذي ينتمي إليه المعجبون، وقد لحق بالكاتبين المعممين كاتب مطربش كان له سهمه في هذه العصبية؛ لأنه لم يحصل من اللغات قسطا يعتمد عليه في المطالعة والكتابة، وهو مصطفى صادق الرافعي خريج المدرسة الابتدائية وربيب الأسرة «المشيخية».
وقد كانت «العصبية اللغوية» لا تخلو من ناحيتها الفكاهية كما هو الشأن في كل عصبية من قبيلها، ولكن أصحابها لم ينفردوا بهذه الناحية الفكاهية؛ لأنهم كانوا يقابلون من الطرف الآخر بناحية تضارعها أو تزيد عليها في نزعتها المضحكة؛ إذ كان «المتفرنجون» يومئذ يزهون برطانتهم المستعارة زهو الحديث النعمة، أو زهو الغني الذي نسميه «غني الحرب»، وإن كان غناه من غيرها، وقد كان بعض هؤلاء المتفرنجين ينسى لغته - اللغة الأم كما يقال - في عرض الخطاب فيلوي لسانه بالكلام الدارج في الإنجليزية أو الفرنسية، كأنه يجهل ما يقابله باللغة العربية الفصيحة أو العامية.
وكان المعنيون بالأدب منهم يبالغون في اشتراطهم تعلم اللغات لتكوين ملكة الكتابة، حتى خلطوا بين القدرة على الكتابة وبين القدرة على توسيع موضوعاتها وتصحيح معلوماتها واختيار مناسباتها العصرية بعد مناسباتها التقليدية، وما زالت العصبيتان على انفراج بعيد في الزاوية إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية بقليل، ثم أخذت هذه الفرجة شيئا فشيئا في الاقتراب حتى التقى الخطان أو كادا قبيل هذه الأيام؛ لأن دارسي العربية عرفوا اللغات الأجنبية وتعلموها واطلعوا على ثقافتها وعلى المترجم من روائعها، ودرس «المتفرنجون» آداب شعرائنا وكتابنا الذين سبقوا أيام الحضارة الفرنجية وتقدموها، فكفكفوا من غلوائهم الأولى وعلموا أن ملكة الكتابة قد توجد على أحسنها وأبلغها عند أديب لا يعرف كلمة من اللغات الأوروبية. •••
وذات يوم من أيام الحرب العالمية الأولى، والزاوية المنفرجة آخذة في التلاقي والاقتراب، شاءت أزمة الصحافة المعطلة أو المقيدة أن أشتغل بالتعليم، ناظرا لمدرسة المؤاساة الإسلامية ومدرسا للأدب والترجمة، ثم مدرسا بالمدرسة الإعدادية الثانوية، فمدرسة وادي النيل الثانوية.
وعلى صفحات كراسة الإنشاء التقيت بالأسلوب المنفلوطي لأول مرة، وعنيت بنقده لأول مرة في دروس التعليم، قبل عنايتي بنقده في مجال الثقافة الواسع ببضع سنوات. •••
Bilinmeyen sayfa