Richard Feynman: Bilimdeki Hayatı
ريتشارد فاينمان: حياته في العلم
Türler
في وقت مبكر، عام 1938، كان عالم الفيزياء فريتز لندن قد اقترح أن التحول إلى الميوعة الفائقة ربما يكون مثالا مكبرا على ظاهرة تنبأ بها كل من أينشتاين وعالم الفيزياء الهندي ساتيندرا بوز في غاز مثالي من البوزونات؛ بمعنى، جسيمات ذات قيم صحيحة للدوران المغزلي. وعلى عكس الفيرميونات، التي - كما أوضحت سابقا - تخضع لمبدأ باولي للاستبعاد، ولا يمكن أن تحتل نفس الحالة في نفس الزمان والمكان، فإن البوزونات تسلك سلوكا معاكسا تماما. وكما تنبأ بوز وأينشتاين، فإن غازا من البوزونات يمكنه - عند درجة حرارة منخفضة بشكل كاف - أن «يتكثف» ليصبح في حالة كم وحيدة مكبرة، حيث تكون جميع الجسيمات في نفس حالة الكم بالضبط، وعندئذ يسلك الشكل المكبر سلوك جسم ميكانيكي كمي لا سلوك جسم عادي. (ففي حالة الجسم العادي يكون لكل جسيم نطاقات احتمالات غير مرتبطة على الإطلاق بالجسيمات المجاورة له. ونتيجة لذلك، فإن أي تداخل كمي غريب بين الجسيمات، يحدث بسبب عمليات الإلغاء الدقيقة لنطاقات الاحتمالات المختلفة، ويتسبب في العديد من الجوانب الغريبة لعالم الكم، يختفي تماما.)
غير أن المشكلة هي أن «تكثف بوز-أينشتاين»، كما يطلق عليه، يحدث للغاز المثالي، وهو غاز لا تتفاعل فيه الجسيمات بعضها مع بعض. ولكن ذرات الهيليوم تتمتع بقوى تجاذب ضعيفة وهي بعيدة بعضها عن بعض، وقوى تنافر قوية عندما يقترب بعضها من بعض بشدة. فهل يحتمل أن منظومة كهذه تظل محتفظة بتحول أشبه بتكثف بوز-أينشتاين؟ كانت تلك واحدة من المشكلات التي جذبت انتباه فاينمان.
لم يكتف فاينمان بالاهتمام وحسب وإنما ابتكر أيضا الأداة التي أتاحت له التوصل إلى فهم حدسي للتأثيرات الميكانيكية. كان أسلوبه في إعادة صياغة ميكانيكا الكم في صورة حاصل جمع المسارات، حيث يوزن كل مسار بواسطة فعله، يوفر - حسب اعتقاده - إطارا مثاليا لتصوير الظواهر المجهرية التي تحكم الهيليوم السائل عند درجات الحرارة المنخفضة.
ومع شروع فاينمان في التفكير في حاصل جمع المسارات لكل جسيم في السائل الكمي، كان هناك عاملان أساسيان يوجهان عمله؛ أولا: لما كانت ذرات الهيليوم بوزونات، فإن النطاق الميكانيكي الكمي الذي يصف وضعها لا يتوقف على موضع كل بوزون؛ فهو يظل دون تغيير إذا تبادلت ذرتان من الهيليوم موقعيهما. ويعني هذا أن المسارات المهيمنة على تكامل المسار (أي تلك التي لها أقل فعل ممكن) الذي تعود فيه الجسيمات المنفردة إلى موقعها نفسه، ينبغي أن تعامل باعتبارها مطابقة للمسارات التي عندها تتشابه المواقع النهائية لجميع الجسيمات مع الوضع الأصلي، باستثناء أن بعض الجسيمات تبادلت مواضعها معا. ظاهريا، قد تبدو لنا هذه تفصيلة رياضية دقيقة غير ذات صلة بالمسألة، لكن يتبين لنا بعد ذلك تأثيرها العميق على الفيزياء.
وركز العامل الثاني على الفعل المرتبط بحركة أي ذرة منفردة من ذرات الهيليوم في خلفية جميع جاراتها الأخريات. لعلك تتذكر أن الحركة التقليدية المرتبطة بأي مسار تتضمن حساب حاصل جمع الفروق بين طاقة الحركة وطاقة الوضع عند جميع النقاط على المسار. وفكر فاينمان أنه أثناء حركة أي من ذرات الهيليوم عبر المسار بسرعة ما، فإن هذه الذرة يمكنها الوصول إلى أي نقطة أخرى دون أن تقترب من ذرة هيليوم أخرى بحيث تتعرض لطاقة تنافر كامنة كبيرة (وهو ما من شأنه أن يزيد من مقدار فعل المسار)، ما دامت ذرات الهيليوم المجاورة قد أعادت ترتيب نفسها ببساطة لإفساح مكان لذرة الهيليوم أثناء حركتها من مكان لآخر. فإذا كانت الذرة تتحرك ببطء، فسيكون على الذرات المجاورة أن تتحرك ببطء كي تفسح لها الطريق. وأثناء عملية إفساح الطريق، سوف تكتسب ذرات الهيليوم تلك طاقة حركية تسهم في الفعل، غير أن طاقتها الحركية سوف تكون متوقفة على سرعتها، ومن ثم تكون متوقفة على الطاقة الحركية لذرة الهيليوم الأولى.
كانت المحصلة النهائية المترتبة على كل هذا، كما زعم فاينمان، هي ببساطة أن نغير ما كنا في الأحوال العادية نظن أنه كتلة ذرة الهيليوم المعنية. وهذا لأن الذرة عندما تحركت، كان لا بد لأكثر من ذرة أخرى أن تتحرك أيضا لإفساح الطريق لها كي تقلل الفعل إلى أقصى حد ممكن. وكل ما عدا ذلك يبقى كما هو.
نتيجة لذلك، أوضح فاينمان أن المسارات الأكثر إسهاما في حاصل جمع المسارات - أي المسارات صاحبة أقل فعل ممكن - سوف تكون تلك المسارات التي يتحرك فيها كل جسيم متصرفا وكأنه جسيم حر، ولكن مع زيادة طفيفة في كتلته. ويمكن تفسير التفاعل الذري التنافري القوي في أحوال أخرى، الذي يحدث عند تقارب المسافات، بواسطة هذا التأثير ومن ثم تجاهله. ولكن إذا كانت الجسيمات تتصرف وكأنها جسيمات حرة، فإن صورة الغاز المثالي التي طرحها بوز وأينشتاين تكون صورة صحيحة إذن، ويصير تحول بوز-أينشتاين ممكنا بالفعل!
من الواضح أن تمكن فاينمان من توضيح أن الجسيمات المتفاعلة معا بقوة يمكنها مع ذلك أن تتصرف - من وجهة نظر حساب سلوكها الميكانيكي الكمي - كما لو كانت جسيمات حرة، مثل له أهمية تتجاوز مسألة الهيليوم السائل. وقد قال عن هذا في بحثه الأول حول هذا الموضوع: «من الجائز أن يكون لهذا المبدأ استخدامات في فروع أخرى من علم الفيزياء، مثل الفيزياء النووية. وهنا توجد حقيقة مدهشة هي أن النوكليونات المنفردة غالبا ما تسلك سلوك جسيمات مستقلة على الرغم من وجود تفاعلات قوية فيما بينها. ويمكن أن تنطبق الحجج التي ذكرناها في حالة الهيليوم على هذه الحالة أيضا.» كان من الواضح أن فاينمان متأثر بشدة بهذه الظاهرة. وسوف نرى مرارا وتكرارا بعد ذلك كيف كانت أبحاثه على مدار العشرين عاما التالية أو نحوها ترتبط بهذا الموقف تحديدا، حيث الأجسام التي تتفاعل بقوة بعضها مع بعض يمكن أن تتصرف في الوقت نفسه وكأنها لا تفعل ذلك.
تجاوز اهتمام فاينمان النوكليونات (أي البروتونات والنيوترونات) وحدها. ومرة أخرى، كان مهتما بمحاولة فهم الميزونات الجديدة المتفاعلة معا بقوة، التي بدت مخططات فاينمان غير كافية لشرحها. ولو أنه استطاع الاستعانة بحدسه الفيزيائي - مدعوما بالثروة التي يمتلكها من المعلومات التجريبية حول الهيليوم السائل - في اختبار وسائل جديدة لفهم النظم المتفاعلة بقوة، فلربما أمكنه إذن استخدام تلك الوسائل في دراسة الميزونات. ولقد ذكر شيئا بهذا المعنى تقريبا في بحثه التالي الذي كتبه عام 1954. لم يكن هذا البحث معنيا بالهيليوم تحديدا، وإنما استكشف فيه حركة الإلكترونات البطيئة في المواد التي تصير مستقطبة في وجودها، الذي استخدم فيه مرة أخرى النهج الزمكاني وأسلوب تكامل المسار لفك طلاسم العمليات الفيزيائية. ومرة أخرى حسب تعبيره: «بعيدا عن الأهمية الجوهرية لتلك المشكلة، سنجد أنها نظير مبسط للغاية للمشكلات التي تحدث في نظرية الميزون التقليدية عندما تكون نظرية الاضطراب غير كافية لحلها.» وفي ورقة بحثية أخرى كتبها بعد ما يقرب من عشر سنوات كتب: «إنها مثيرة كظاهرة في المواد الصلبة، غير أن لها أهمية أوسع لأنها واحدة من أبسط الأمثلة على التفاعل بين أحد الجسيمات ومجال ما. وهي مشابهة من أوجه عديدة لمشكلة النوكليون المتفاعل مع مجال الميزون ... وإن جانب الاقتران الشديد للمشكلة هو الذي أثار قدرا عظيما من الاهتمام.»
من الواضح أنه على الرغم من أن فاينمان وجد متعة بالغة في توحيد علم الفيزياء - بمعنى إمكانية استخدام فهم معين للظواهر التي تقع في أحد ميادين عالم الفيزياء في فهم ظواهر أخرى تقع في ميدان آخر بعيد عنه تماما - فإن إشاراته المتكررة على امتداد تلك السنوات إلى الميزونات والنوكليونات توحي بأنه كان دائما ما ينجذب إلى ألغاز عالم ما دون الذرة الآخذ في الازدهار المتمثل في الجسيمات الأولية وتفاعلاتها الجديدة العجيبة. وسرعان ما سيعود إلى ذلك العالم، لكنه لم يكن قد حل بعد المشكلة التي وضعها نصب عينيه بشكل كامل - وهي بالتحديد مشكلة تفسير الميوعة الفائقة، التي ربما أمكنه أن يصل من خلالها إلى الجائزة الكبرى المتمثلة في الموصلية الفائقة - ولم يكن من طبعه ترك مسألة بدأ في حلها إلا بعد أن يصل إلى الحلول التي أرادها. وبهذا، سيسهم في تغيير الطريقة التي نفهم بها السلوك الكمي للمواد.
Bilinmeyen sayfa