602

وكان خطيبا للمتوكل القاسم بن الحسين في إمارته وخلافته، وسفره وحضره، وله صوت حسن، وخطبه بليغة في غاية الجودة والفصاحة، وبه يضرب المثل في معرفة مواقع الخطب ومقال كل مقام بحسب الدواعي، ومقتضيات الأحوال، ومطابقة الإرادة، وكان يحضر على المتوكل كثيرا ويميل إليه ويقربه وينظمه في إعداد الوزراء ويستودعه أشواره، ويشركه في أمره، وكان صاحب الترجمة كثير الميل إلى المولى محمد بن الحسين بن عبد القادر، والمحبة له لنشأته تحت ظلهم، وفي حضرتهم لأن بني النزيلي بيت شهير في بلاد (كوكبان) لهم اشتغال بالفقه والحديث، وخرج منهم عدة علماء، وهم أهل ديانة ومروة، ولهم سلف صالح مذكورون في التواريخ، وكان صاحب الترجمة يفشي أسرار المتوكل ويرفع إلى (كوكبان) كل ما سمعه، فيفطن المتوكل لذلك، ولم يظهر له مكروها بل استعان به على قبض المولى محمد بن الحسين واقتناصه من (كوكبان)، وإيداعه السجن مع كون أخذه من كوكبان بالقهر والغلبة، متعذر إلا بعد الحصار الطويل، وذلك أن المتوكل لما تحقق أفشى صاحب الترجمة الأسرار إلى المولى محمد بن الحسين، وكان قد ظهر للمتوكل منه عدم الطاعة الكلية، وأن السكوت عنه يخل بنظام الملك، وعرف أن النزيلي بعيد الفهم عن الحقائق فأوهمه أنه قد ضاق صدره بصنعاء وأنه لم يساعده هواها، ولا استطاب سكونها،وأنه لو وجد من يكفيه أمرها لبادر إلى الخروج منها فقال له النزيلي: ومن تراه يقوم بها كما تريد ثم أخذ ينص على رجال من الرؤساء فقال المتوكل: كل هؤلاء لا أركن عليهم، وإنما صاحبها الصنو محمد بن الحسين ولو أعلم أنه يسعدني لفراقها الآن، ولكن الصنو محمد قد طرت عليه الأوهام، فما أركن على أحد سواك، وصار الإمام يعدد له مناقب المولى محمد بن الحسين وفضائله، وحمل النزيلي كلام الإمام إلى الظاهر وبادر برفع هذا الكلام إلى كوكبان، ولم يزل النزيلي يستحثه على الوصول إلى الحضرة ويرفع له اللبس ويوبخه في الأوهام التي كانت

Sayfa 206