337

فهم من جهل النعم، وغفل عن نعمة المشرب والمطعم، يحسب أنه ارتفع عن مطالب النفس، وشهواتها، وترقى إلى مقام المعصومين عن طلباتها، زاعما أن اختيار البقاع للتنزه لا للمتاع، وإن طلب ذوي العقل هو الظل لا الأكل ما ابعد [84أ-ب] ما طوحت به طونح الأوهام، وما أشد ما شذ فهمه عن مطارح الإفهام، وما هو إلا جهول بحكم الشرع والنقل عقول عن قضية الطبع والعقل، فقد عطل فوائد الإمتنان بجنان الجنان، ورفع من بين يديه موائد الإحسان، فيا لها من غفلة توجب لقائلها الإغفال، وفكرة ليس لها في الصواب مجال، وقد جرى هذا على ألسنة كثير ممن دأب في الأدب وبلغ أرفع الرتب فقال: إن تفضيل المنازل والمفازة بالمأكل والفواكه مما لا يليق بهمة الإنسان الكامل ولا يلتفت إليه العاقل محتجا [286-أ] في ذلك يقول القائل:

وينفر عنها كل قدم مغف ... بهيمي طبع إن رأى الأكل نهق

فقلت له بعد اكتشاف هذا الخلاف وانتظام هذا الكلام فيحق أن أبدي وجه هذه الجهالة وأهدي في فهامه هذه الضلالة فإن ذلك هو المطلب الذي تقف دواعي النفس عليه والمقصد الذي لا يطمح إلى غيره إلا مضافا إليه أيكون وصف الحكيم لجنات النعيم غير مطابق للهمة ولا موافقا لتمام النعمة، كلا فقد جذب النفوس بأرومتها واقتادها بمقتضى حبلتها لم يهمل تعالى شيئا مما تزهى به الجنان ويرتاح بذكره الجنان ومن أوضح البيان:{وجنى الجنتين دان}[الرحمن: 54] وتقديم ما هو أعظم النعمة وأصلها في قوله {أكلها دائم وظلها}[الرعد: 35] وكم من آية هي أوضح حجة وبيانا [ ]{وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا}[الأنفال:2] والنظر السليم له الحكم القاطع للخلاف المحيط بالأطراف:

لأي شئ تحمد الديار

لآي شئ تسكن البقاع

قد وصف الجنان من أنشأها

الأكل منها دائم وظلها ... إلا إذ جادت بها الثمار

إن لم يكن لآهلها متاع

ورغب النفوس من يراها

لأسدرها وخمطها وأثلها [290-أ]

Sayfa 381