باب آخر من وصف الديار وساكنيها
وليس تكاد في القطعة التي تشتمل على عدة أبيات، أن تكون سائر أبياتها موافقة في معانيها لسائر أبيات القطعة الأخرى، وإنما يوازن بين بيت وبيت إذا اتفقا، أو بين غرض وغرض إذا تقاربا، وأغراض هذا الباب وهي من جنس واحد وإن اختلفت المعاني.
... قال أبو تمام:
قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ ... للصبا تزدهيك حسنًا وطيبا (١)
أكثر الأرض زائرًا ومزورا ... وصعودًا من الهوى وصبوبا (٢)
وكعابًا كأنما ألبستها ... غفلات الشباب بردًا قشيبا
بين البين فقدها، قلما تعـ ... رف فقدًا للشمس حتى تغيبا
قوله: «قد عهدنا الرسوم وهي عكاظ» معنى ليس بالجيد؛ لأنه إنما أراد: قد عهدنا الرسوم وهي معدن للصبا أو مألف أو موطن، فقال: عكاظ، أي سوق للصبا يجلب إليها، ولو قال: «سوق» لكان أجود من قوله: «عكاظ»، وإنما ذهب إلى أن عكاظ من أعظم الأسواق التي تجتمع إليها العرب، وقد كان يكفيه أن يقول: سوق، فيأتي باللفظة المستعملة المعتادة، وإن السوق قد تكون عظيمة آهلة، وعكاظ أيضًا سوق، فما وجه التخصيص في موضع العموم، والعموم أجود وأليق؟
وقد يجوز أن يكون احتذاه على مثال، والرديء لا يعتبر به، وعلى أن الوزن لم يمكنه من سوق.