فأما الذي ذكرنا من حالات أرض البحر والمياه فإنما قلنا ذلك لأن أرض البحر ومياهها مختلفة الحال والمواضع التي تكون غير عميقة ولا صلبة ولا يكون فيها جبال يكون بخارها ورياحها ليست بالكثيرة والمواضع التي تكون عميقة عريضة طو يلة ويكون مياهها غليظة مالحة ومرة فإنها تكثر البخارات والرياح في تلك المواضع فلهذه العلة صار ابتداء قوة المد وغلبة الماء ئنما إنما يكون من كل موضع عميق واسع يكون الغالب على أرضه كثافة الأجزاء أو كثرة الجبال فإذا ابتدأت قوة المد من مثل هذه المواضع لكثرة البخار والرياح اللذين فيه اتصل ذلك بماء البحر فصار فيه كله المد لما فيه من البخار والرياح التي تولدت من ملوحته ومرارته ويبسه ولما في القمر من الطبع المحرك لذلك الماء بكنهه ولما ينال من البحر كله من قوة حركة المياه التي في تلك المواضع التي يكون فيها ابتداء قوة المد وإذا كانت أرض البحر قليلة الجبال أو كانت متخلخلة ينفذ الماء منها إلى غيرها من البحار والمواضع أو كان ذلك الماء يتبين فيه ما ينصب فيه من المياه أو ما يخرج منه أو كان الماء متحركا لطيفا منتقلا كالأودية والأنهار والعيون فإنه لا يكثر اجتماع الرياح فيها لأنه يتحلل ويتنفس الريح التي في الماء وتخرج جزءا بعد جزء أولا فأولا مع حركة الماء وانتقاله ويتفرق ولا يجتمع في ذلك الماء من الريح ما يرفعه فإذا علاه القمر وحركه لا يكون فيه المد والجزر ولكن تكون فيه رياح وأمواج فلهذه العلة لا يتبين في كثير من البحار ولا في شيء من الأودية والأنهار والعيون المد والجزر
وأيضا فإن المياه الجارية لطيفة رقيقة فإذا حركها القمر وفترت لم يبق فيها تلك الفتورة لرقتها وإذا تحللت لم يزد ذلك التحلل فيها إلا شيئا قليلا ولا يكون فيها الأرياح قليلة جدا فأما المياه الغليظة المالحة فإنها لملوحتها ومرارتها يكون فيها يبس ورياح كثيرة فإذا تحركت وفترت وحميت بقيت تلك الفتورة فيها لغلظها وتحللت وزاد ذلك التحلل في مائيتها زيادة كثيرة فكان ذلك سببا لقوة المد كما ذكرنا
فأما العلة في ابتداء المد إذا صار القمر إلى المغرب ودوامه إلى أن يبلغ القمر إلى وتد الأرض فذلك لثلاث جهات إحداها أن خط المشرق مواز لخط المغرب وكل درجة يتباعد القمر من المشرق صاعدا إلى وسط السماء موازية لكل درجة يتباعد القمر منها من المغرب إلى وتد الأرض ويكون بعد تلك الدرجة من المغرب مثل بعد الدرجة الموازية لها من المشرق وكل الربع الذي من المشرق إلى وسط السماء مواز مشاكل لكل الربع الذي من المغرب إلى وتد الأرض فلاتفاق الربع الذي من الطالع إلى وسط السماء والربع الذي من المغرب إلى وتد الأرض يتفق أن يكون في أحدهما من المد وإقبال الماء من المشرق مثل ما في الآخر
Sayfa 276