قال: «وعدتكم يوم مقابلتنا أول مرة أنني سأتصل فورا بمستر بيفن لأسأله، وقد اتصلت به فعلا، ولكن - مع الأسف - لم تصل إلي حتى الآن تعليمات منه، وعند ورود هذه التعليمات سأحيطكم علما بها حالا ...» ثم قال: «وعلمت أن عمرو باشا تكلم مع مستر بيفن في شأن المفاوضين البريطانيين، وأن هذا كان بناء على طلب منك ...»
فقلت: «أجل كنت أريد أن أحدثك في هذا الموضوع، ولكنك سبقتني إليه، ولعلك تذكر أني قلت لك في مقابلتنا الخاصة إن مسألة المفاوضين من الجانب البريطاني ما زالت «غامضة» علي، وكان يحسن أن أتبينها تماما؛ لأن التأخير في ذلك من شأنه أن يخلق في مصر جوا لا يتفق مع مصلحة المفاوضة، إذ هي كما لا يخفى يجب أن تجري في جو تسوده الطمأنينة لا في جو تحيط به الريب والظنون ... وآسف أن أقول لك إن ريبا وظنونا قد نبتت، وبدأت في الظهور بالنسبة لمسألة المفاوضين من الجانب البريطاني، وأنت تعلم أن مصر قد عينت هيئة المفاوضين، واستعدت للمفاوضة من مدة كانت تكفي لأن يظهر من جانبكم مثل هذا الاهتمام، الذي ظهر من جانبنا»، فقال: «الواقع أن المفاوضين، أو بعبارة أخرى الخبراء العسكريين، وكانوا قد عينوا أو وقع عليهم الاختيار، ولكن حديثك الماضي معي أفهمني أنك لا تريد أن تثار المسألة العسكرية قبل المسألة السياسية، التي لها المقام الأول، وهذا قد غير الوضع بالنسبة للترتيبات التي كنا قد أعددناها، وهي تتلخص في أن يكون معاوني من العسكريين ... ولهذا رأيت أنه يحسن أن أتبع طريقة سنة 1936، وهي أن يكون معاوني من كبار موظفي السفارة.»
فقلت: «اسمح لي أن أكلمك بصراحة في هذا الموضوع، أنه إذا عرف أن معاونيك الرسميين في المسائل السياسية هم موظفو السفارة، فلن يكون لذلك أثر طيب في الرأي العام في مصر، وذلك لاعتبارات ثلاثة:
الأول:
أن الشعور بعدم الارتياح ينتشر لا محالة من جراء هذا التصرف؛ لأن مصر جمعت خير رجالها لهذه المفاوضة، وكان أحدهم وصيا على العرش، وكثير منهم رؤساء حكومات سابقة؛ وقد فعلنا ذلك لأننا نعلق على نتائج هذه المفاوضات أعظم الأهمية، فمن غير المعقول أن يواجه الفريق المصري وهو مكون على هذه الصورة؛ بموظفين من السفارة!
الثاني:
أن الناس في مصر يعتقدون، ولا ينسون أن السياسة التي اتبعت في العهد الأخير لا سيما في زمن الحرب (وهي سياسة لم تترك في نفوسهم أثرا طيبا)، قد اشترك في وضعها وتنفيذها رجال السفارة، الذين تريدهم معاونيك السياسيين ...
إني أعرفهم شخصيا وأقدرهم، ولكن هذه العقيدة سائدة عنهم في نفوس المصريين، ومن الصعب جدا إزالتها؛ فضلا عن أني كنت قد سمعت من عمرو باشا أنه سيكون معكم في المفاوضة رجال من ذوي الخبرة والعلم بشئون الشرق، وأذكر أنه ذكر لي أن مستر هاو وكيل وزارة الخارجية لشئون الشرق الأوسط، قد فكر في تعيينه مفاوضا معكم؛ ولهذا أرجو أن تعيدوا النظر في الموضوع كله حتى تسهل مهمتي.
الثالث:
أنه لا تجوز المقارنة بين مفاوضات سنة 1936، والمفاوضات التي تجري في سنة 1946 ... ذلك لأن الأولى كانت تجري على أسس مباحثات، ومشروعات اعتبرناها خطوة، أو مرحلة في طريق الاستقلال، لا الاستقلال نفسه، أما اليوم فنحن في نهاية المراحل، ولهذه المفاوضات نتائج حاسمة، ومن أجل ذلك يحسن جدا أن يعطيها الجانب البريطاني الاهتمام الذي يتفق وطبيعتها وخطر آثارها، كما أعطيناها نحن من جانبنا.»
Bilinmeyen sayfa