وكان قد وجه إليهم يستدعيهم إلى أن يعينوه، على أن يجعل لهم سبي البلد، وله هو المدينة خاصة؛ ففعلوا ذلك، ونزلوا عليها من البر والبحر؛ فملكوها وسبوا أهلها؛ وملك ابن الريق -لعنه الله- البلد.
وتجهز أمير المؤمنين في جيوش عظيمة، وسار حتى عبر البحر؛ ولم يكن له هم إلا مدينة شلب المذكورة، فنزل عليها؛ فلم تطق الروم دفاعه، وخرجوا عنها وعما كانوا قد ملكوه من أعمالها؛ ولم يكفه ذلك حتى أخذ حصنًا من حصونهم عظيمًا يقال له: "طُرُّش"؛ ورجع إلى مراكش.
طامع آخر من بني عبد المؤمن
وبعد رجوعه مرض مرضًا شديدًا خِيف عليه منه؛ وكان قد ولى أخاه أبا يحيى الأندلس، فجعل يتلكأ في خروجه ويبطئ تربصًا به وطمعًا في وفاته؛ وكلما أفاق هو سأل: هل عبر أبو يحيى أم لا؟ فلما بلغ أبا يحيى استحثاثه إياه، أسرع إلى العبور وهو لا يشك أن أول ما يرد عليه خبر وفاته؛ فاستمال أشياخ الجزيرة ودعاهم إلى نفسه، وقال: ما تركت أمير المؤمنين إلا هامَةَ١ اليوم أو غد، وليس لها غيري! فجعل أشياخ الجزيرة يحيل بعضهم على بعض، وأهل بلد على أهل بلد؛ حتى بلغ مرسية؛ وكتبوا بذلك مساطير خوفًا على أنفسهم.
وأفاق أمير المؤمنين من مرضه، وأشار عليه الأطباء بالسفر، فخرج قاصدًا مدينة فاس، يحمل في مِحَفَّة على بغلين؛ وبلغه أمر أبي يحيى المذكور، وجاءته كتب أهل الأندلس والمساطير التي كتبوها.
ولما سمع أبو يحيى بحركته، جاء معتذرًا إليه حتى عبر البحر، فلقيه بمدينة سلا؛ فلما وقعت عينه عليه قال لمن عنده: هذا الشقي قد جاء! وأمر به فقُيِّد، ووجه إلى أشياخ الأندلس فحضروا وأدوا شهاداتهم؛ وأمر به فأحضر وقال: إنما أقتلك بقوله ﷺ: "إذا بُويع خليفتان بأرض فاقتلوا الآخر منهما"! وأمر به فضربت عنقه، تولى قتله أخوه لأبيه عبد الرحمن بن يوسف؛ وذلك بمحضر من الناس، وأمر به فكفن ودفن؛ وأقبل على القرابة فنال منهم بلسانه وأخذ منهم أخذًا شديدًا، وأمر
١- الهامة: طائر صغير يألف المقابر، وقيل: هو طائر زُعم أنه يخرج من هامة القتيل -أي رأسه- ويقول: اسقوني اسقوني، حنى يؤخذ بثأره، ويقال له: الصَّدى. وقوله: "إلا هامة اليوم أو غد"، أي: يموت اليوم أو غدًا. ومنه قول كثير بن عبد الرحمن:
وكل خليل راءني فهو قائل ... مِنَ اجْلكِ هذا هامة اليوم أو غدِ
"ديوان كثير: ١١٦".
1 / 205
مقدمة
ترجمة المؤلف
مقدمة المؤلف
فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها
ذكر فتح جزيرة الأندلس ولمع من تفصيل أخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء منها ومن غيرها
ذكر من دخل الأندلس من التابعين
فصل في فضل المغرب
ذكر خبر دخول عبد الرحمن بن معاوية الأندلس
ولاية الأمير هشام بن عبد الرحمن
ولاية الحكم بن هشام الملقب بالربضي
ولاية الحكم المستنصر
ولاية هشام المؤيد ابن الحكم المستنصر
وزارة المظفر بن أبي عامر
وزارة الناصر بن أبي عامر
تفصيل ما سبق إجماله ولاية محمد بن هشام بن عبد الجبار المهدي
ولاية سليمان بن الحكم بن سليمان بن عبد الرحمن الناصر
أولية بنى حمود
ولاية ابن حمود الناصر
ولاية القاسم بن حمود المأمون
ولاية يحيى بن علي المعتلي
ولاية عبد الرحمن بن هشام المستظهر
ولاية هشام المعتد بالله
ذكر أخبار الأندلس بعد انتقال الدعوة الأموية
فصل رجع الحديث إلى بني حمود ومطمع بني عباد في التغلب على قرطبة
فصل يتضمن ذكر أحوال الأندلس بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها على الإجمال لا على التفصيل
ملوك الطوائف
فصل في ملك بني عباد بإشبيلية
فصل رجع الحديث عن دولة المرابطين بالأندلس
ولاية أبي الحسن علي بن يوسف بن تاشفين
اختلال أحوال المرابطين
ذكر قيام محمد بن تومرت المتسمي بالمهدي وبدء أمر الموحدين بالمغرب والأندلس
الحرب بين المرابطين والموحدين
ذكر ولاية عبد المؤمن
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وما يتعلق بها
ذكر ولاية أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن
ذكر ولاية أبي عبد الله محمد بن أبي يوسف أمير المؤمنين
ذكر ولاية أبي يعقوب يوسف بن محمد
ولاية أبي محمد عبد العزيز بن أبي يعقوب الأول
جامع سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم
ذكر قبائل الموحدين
ذكر أقاليم المغرب والأندلس
ذكر ما بالمغرب من معادن الفضة والحديد والكبريت والرصاص والزيبق وغير ذلك، وأسماء مواضعها