Mucize

المعجب في تلخيص أخبار المغرب من لدن فتح الأندلس إلى آخر عصر الموحدين

Soruşturmacı

الدكتور صلاح الدين الهواري

Yayıncı

المكتبة العصرية

Baskı

الأولى

Yayın Yılı

١٤٢٦هـ - ٢٠٠٦م

Yayın Yeri

صيدا-بيروت

•
Bölgeler
Fas
•
İmparatorluklar & Dönemler
Almohadlar veya el-Muvahhidûn
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
ازدهرت حركة التصنيف في بلاد المغرب١ في أيام الحكم الإسلامي. واتجه المصنفون في كتاباتهم اتجاهات متنوعة، فمنهم من كتب في التراجم والسير، ومنهم من اختص بالتواريخ والأحداث السياسية وأخبار الممالك والإمارات والملوك. ومنهم من صنف في علوم الأدب والشعر والفلسفة، وغير ذلك.
والمعجب في تلخيص أخبار المغرب، واحد من تلك المصنفات النفيسة التي عنيت بأخبار البلاد المغربية وسِيَر ملوكها وأمرائها ودويلاتها، ألفه أبو محمد، عبد الواحد بن علي المراكشي، استجابةً لطلب أحد الأعيان الرؤساء، الذي سأله إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدوده وأقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لدن ابتداء دولتهم، إلى حدود سنة ٦٢١هـ/ ١٢٢٥م، مع نبذة من سير الذين لقيهم أو روى عنهم من الشعراء، وأهل الفضل والرواية والأدب٢.
وقبل شروعه بتأليف الكتاب، اعتذر المراكشي لرئيسه عن أمور ثلاثة:
- أولها: ضعف عبارته، وغلبة العي على طباعه.
- وثانيها: عدم امتلاكه لكتاب في هذا الشأن يعتمد عليه، ويجعله مستندًا أو مرجعًا، على عادة المصنفين الذين سبقوه أو عاصروه.
- وثالثها: قلة محفوظاته وتشتتها بسبب ازدحام همومه، وكثره غمومه٣.
ويشتمل هذا الكتاب على فصول كثيرة، بدأها المؤلف بالحديث عن جزيرة الأندلس وحدودها ومدنها وقراها. ثم انتقل إلي أحداث فتحها، وسير ملوكها، ومن كان فيها من الفضلاء حتى نهاية حكم الأمويين. ثم توسع بذكر أخبار الأندلس بعد زوال الحكم الأموي، وأخبار من حكمها من متغلبين، ومرابطين، وموحدين.
ويمكننا تحديد منهج المؤلف في كتابه هذا بالنقاط الآتية:

١- المراد بهذا الاسم -وفقًا لمفهوم المسلمين القدامي- بلاد المغرب العربي والأندلس.
٢- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المراكشي:٣.
٣- المصدر نفسه:٤.

1 / 5

- تصديره الكتاب بمقدمة تشتمل على دوافع تأليفه، وموضوعاته، وتتضمن اعتذارًا صريحًا عن قصر باعه فيما طُلب إليه تصنيفه.
- تقسيمه الكتاب إلي فصول تفاوتت في أحجامها، فبينما كان بعضها يقصر فلا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث الصفحات، اتسع بعضها الآخر ليتجاوز الخمسين صفحة.
- تحديده لسمات منهجه فى جمع الأخبار، وسماع الروايات، وتدوين المشاهدات؛ فبعد اعترافه بالعجز عن كمال التأليف في مقدمة الكتاب، يقول في ختام حديثه عن دولة المصامدة: هذا تلخيص التعريف بأخبار المصامدة،.... وإنما أوردنا من ذلك ما تدعو إليه الحاجة، وتُجشِّم الضرورة من عُني بالأخبار إلى معرفته ... ولم أثبت في هذه الأوراق المحتوية على دولة المصامدة وغيرها إلا ما حققته نقلًا من كتاب، أو سماعًا من ثقة عدل، أو مشاهدةً بنفسي؛ هذا بعد أن تحريت الصدق، وتوخيت الإنصاف في ذلك كله١.
- ذكره المصادر التي استقى منها مواد كتابه، وفي طليعتها كتاب٢ ابن أبي نصر فتوح الحميدي٣، مؤلف كتاب: جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس، ثم ما وسعه حفظه من أخبار وأشعار وروايات، وما شاهده وعاينه بنفسه من وقائع وأحداث.
- تضمينه الكتاب مجموعة ضخمة من الأشعار، إذ كان لا يكتفي بالبيت الواحد أو البيتين، وإنما كان يورد القصائد الطوال، التي تتجاوز القصيدة الواحدة منها الخمسين بيتًا. وكان يعلل ذلك بنفاسة القصيدة، وجودة معانيها، وحسن تمثيلها للمواقف والأحداث٤.
- اعتذاره عن عدم إيراد بعض القصائد كاملة، ورده ذلك إلى ضعف الذاكرة، وقلة الحفظ، في مثل قوله بعد أبيات للشاعر الرمادي٥ في مدح أبي علي القالي٦:
هذا ما بقي من حفظي منها٧.

١- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٣٣٢-٣٣٣.
٢- يقول المراكشي: "وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت". "المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٦٩".
٣- هو أبو عبد الله، محمد بن أبي نصر فتوح الحميدي، الأزدي، الميورقي: مؤرخ، محدث، من أهل ميورقة. توفي سنة ٤٨٨هـ/ ١٠٩٥م. "بغية الملتمس، الضبي: ١١٣".
٤- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٧٦، حيث أورد المراكشي قصيدة لعبد المجيد بن عبدون في مدح بني المظفر وأيامهم، بلغت خمسة وسبعين بيتًا.
٥- هو أبو عمر، يوسف بن هارون الرمادي الشاعر، المتوفى سنة ٤٠٣هـ/ ١٠١٢م.
٦- هو أبو علي، إسماعيل بن القاسم القالي، الأديب الشاعر، اللغوي، المتوفى سنة ٣٥٦هـ/ ٩٦٧م.
٧- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٢٥.

1 / 6

- حرصه بعد الحديث عن كبار الملوك أو الأمراء على ذكر وزرائهم، وحجابهم، وكتابهم، وقضاتهم، وأبنائهم، وشعرائهم، كالذي نجده في ختام ترجمته للأمير عبد المؤمن بن علي بن علوي الكومي١، وختام ترجمته للأمير أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن٢.
- تضمينه الكتاب بعض العبارات أو الجمل المعترضة التي كانت تجري على ألسنة الناس آنذاك، مثل: لعنه الله، بعد أسماء ملوك الأعاجم المناوئين للمسلمين في الأندلس، ورحمه الله، بعد أسماء أمراء المسلمين وقادتهم، وأعادها الله إلى المسلمين، بعد اسم كل مدينة غلب عليها الفرنجة أو احتلوها، وأسأل الله إبقاءه إلى أن تقوم الساعة، بعد أسماء المساجد المشهورة.
- إكثاره من إيراد عبارة: كما تقدم، أو كما ذكرنا، أو فلان المتقدم الذكر في صفحات كتابه. وسبب ذلك أنه كان يورد الخبر مجملًا في مكان من الكتاب، ثم يعود إلى ذكره مفصلًا في مكان آخر منه.
- بالرغم من ميل المؤلف إلى التلخيص والإيجاز، فإن الاستطراد والتطويل كانا يلاحقانه في غير موضع من الكتاب. مثال ذلك: أنه أورد رواية على لسان أبي محمد علي بن حزم٣، ثم استطرد فترجم له، وأورد مقتطفات من أشعاره، واعتذر عن ذلك بقوله: "وإنما أوردت هذه النبذة من أخبار هذا الرجل، وإن كانت قاطعة للنسق، مزيحة عن بعض الغرض؛ لأنه أشهر علماء الأندلس اليوم، وأكثرهم ذكرًا في مجالس الرؤساء وعلى ألسنة العلماء٤.
وكذلك فعل المراكشي عندما قال في نهاية حديثه عن أستاذه أبي جعفر الحميري: وقد امتد بنا عنان القول إلى ما لا حاجة لنا بأكثره؛ رغبةً في تنشيط الطالب، وإيثارًا للأحماض٥.
- إظهاره لتواضع علمي لا نجده عند الكثير من المصنفين الذين يملئون الأسماع ضجيجًا وادعاءً، بدا ذلك في قوله: مع أن أصغر خدم مولانا لم تجر عادته بالتصنيف، ولا حدث قط نفسه به، وإنما بعثته عليه الهمة الفخرية٦.

١- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ١٩٨-٢٠٠.
٢- المصدر نفسه: ٢٦١-٢٦٤.
٣ هو أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الظاهري، المتوفى سنة ٤٥٦هـ/١٠٦٤م.
٤- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٤٥-٤٩.
٥- المصدر نفسه: ٣٠٤.
٦- المصدر نفسه: ٣٤٦.

1 / 7

- اعترافه بفضل سابقيه، من دون إغفاله لجهده الخاص، حين قال: وهذا آخر أخبار الحسنيين وما يتعلق بها، حسبما أورده أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي، عليه عولت في أكثر ذلك، ومن كتابه نقلت، خلا مواضع تبينت غلطه فيها، أصلحتها جهد ما أقدر١.
ونظرًا لأهمية هذا الكتاب في إغناء المكتبة العربية بما اشتمل عليه من صور حية لحياة ملوك المغرب، وممالكهم، ومعاركهم، وإنجازاتهم العمرانية، واهتماماتهم الدينية والفكرية والأدبية والاجتماعية، وحرصًا منا على بعث التراث العربي الأندلسي، وإظهار مكنوناته النفيسة، نُخرج اليوم هذا الكتاب، ونقدمه للقراء بحُلَّة جديدة، وإضافات مهمة في الضبط والشرح والتوثيق والفهرسة، جَهِدنا أن تكون على مستوى طموحاتهم وحاجاتهم وأذواقهم.
ويقوم عملنا في هذا الكتاب وفقًا للخطة الآتية:
- تصدير الكتاب بمقدمة تشتمل على حياة المؤلف أبي محمد عبد الواحد بن علي التميمي المراكشي، وآثاره، ومنهجه في تأليف الكتاب.
- ضبط أسماء الأعلام والأماكن والبلدان وغيرها.
- ضبط الشواهد الشعرية، وشرحها، وتعيين بحورها.
- التعريف بالأعلام غير المترجم لهم في الكتاب ما أمكن، مع الإحالة إلى أهم المصادر التي ترجمت لهم.
- تزويد الأعلام المترجم لهم بعدد من الكتب التي ترجمت لهم ما أمكن.
- التأكد من سلامة النص من خلال تصحيح بعض الأخطاء الإملائية والمطبعية، أو إضافة ما سقط في بعض مواضع الكتاب من كلمات أو حروف.
- تزويد الكتاب بمجموعة من الفهارس الفنية التي تساعد القارئ، وتمكنه من الرجوع إلى مواد الكتاب بسهولة ويسر.
واللهَ ﷾ نسأل أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يلهمنا السداد في الفكر والقول والعمل، إنه سميع مجيب، وبالإجابة جدير.
صلاح الدين الهواري
١ ربيع الثاني ١٤٢٦هـ
١٠ أيار ٢٠٠٥م

١ المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٦٩.

1 / 8

ترجمة المؤلف
حياته وتنقلاته:
هو أبو محمد، عبد الواحد بن علي التميمي، المَرَّاكُشِيّ١، المالكي: مؤرخ، بحَّاثة، ولد بمَرَّاكُش في ربيع الآخر سنة ٥٨١هـ/١١٨٥م، في أول أيام أبي يوسف، يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي المُوَحِّدِيّ٢، المنصور، صاحب بلاد المغرب. ثم انتقل إلى مدينة فاس، وهو ابن تسعة أعوام، فقرأ فيها القرآن وجوده ورواه عن جماعة من الأفاضل المُبرّزين في علوم القرآن والحديث والنحو واللغة.
وحين تم للمراكشي ما رغب فيه من تحصيل بفاس، عاد إلى مراكش، وظل يتردد بعد ذلك بين المدينتين، ينهل ما يتاح له من علوم ومعارف وفنون.
ثم رغب في السفر إلى الأندلس، فعبر إليها في أوائل سنة ٦٠٣هـ/١٢٠٧م، وأدرك جماعة من علمائها وفضلائها، لكنه لم يحصل منهم -كما يقول- إلا معرفة أسمائهم ومواليدهم ووفياتهم وعلومهم٣.
ومن الذين لقيهم المراكشي، وتوثقت صلاته بهم من أدباء عصره: أبو بكر بن زُهْر٤، وأديب آخر هو أحد أنجال ابن الطفيل الفيلسوف الأندلسي المشهور.
وعندما نزل إِشْبيليَّة، قدمه صديق له يدعى محمد بن الفضل إلى واليها إبراهيم بن أبي يعقوب يوسف، أخي الخليفة الموحدي الناصر، فحظي عنده، وأصبح من أصحابه وجلاسه٥.
وعن رأفة هذا الأمير به، وتقريبه إياه، يقول المراكشي: كان لي ﵀ محبًّا، وبي حفيًّا؛ وصلت إليَّ منه أموال وخِلَع جمة غير مرة. وعن بدء علاقته به

١- معجم المؤلفين، عمر كحالة: ٢١٠/٦، الأعلام، خير الدين الزركلي: ١٧٦/٤.
٢- توفي سنة ٥٩٥هـ/١١٩٩م. وستأتي ترجمته وافية في هذا الكتاب.
٣- المعجب في تلخيص أخبار المغرب، المراكشي: ٣٦٠.
٤- هو أبو بكر، محمد بن عبد الملك بن زهر الإيادي: من نوابغ الطب والأدب في الأندلس. ولد بإشبيلية، وتوفي سنة ٥٩٥هـ/١١٩٩م. "الأعلام، الزركلي: ٢٥٠/٦".
٥- تاريخ الفكر الأندلسي، آنخل بلانثيا: ٢٤٨.

1 / 9

وما تلاها من محبة وتلازم، يقول: لم أعرفه أيام وزارته، وإنما كانت معرفتي إياه حين ولوه إشبيلية سنة ٦٠٥هـ،.... ثم علت حالي عنده بعد ذلك، إلى أن يقول لي في أكثر الأوقات: والله، إني لأشتاقك إذا غبت عني أشد الشوق وأصدقه١.
ومن الذين أخلصوا له الود من أهل القضاء: أبو عمران، موسى بن عيسى بن عمران القاضي، وفيه يقول: وأبو عمران هذا صديق لي، لم أر صديقًا لم تغيره الولاية غيره. ولم يزل يعاملني بما كان يعاملني به قبل ذلك، لم ينقصني شيئًا من بره. ما لقيته قط في مركبه إلا سلم عليَّ مبتدئًا، وجدد لي برًّا٢.
وطمحت نفس المراكشي إلى مصر، فسافر إليها سنة ٦١٣هـ/١٢٢٧م، والتقى ببعض علمائها، ثم انتقل إلى مكة المكرمة، فأدى فريضة الحج سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ثم تجول بعد ذلك في بعض بلدان المشرق٣.
آثاره:
لم يذكر الذين ترجموا لأبي محمد غير كتاب واحد هو: المعجب في تلخيص أخبار المغرب، الذي ألفه استجابة لطلب واحد من أعيان عصره.
وقد فرغ المراكشي من تأليف هذا الكتاب سنة ٦٢٠هـ/١٢٢٤م. ونشره دوزي سنة ١٢٤٠هـ/١٨٤٧م، وأعاد طبعه سنة ١٢٩٨هـ/١٨٨١م، وترجمه فانيان إلى الفرنسية، ثم نشر الترجمة في الجزائر سنة ١٣١٠هـ/١٨٩٣م.

١- المعجب في تلخيص أخبار المغرب: ٣٠٨-٣٠٩.
٢- المعجب نفسه: ٣١٣.
٣- معجم المؤلفين، كحالة: ٢١٠/٦؛ الأعلام، الزركلي: ١٧٦/٤.

1 / 10

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة المؤلف
الحمد لله مفني الأمم، وباعث الرِّمم١، وواهب الحكم، ذي البقاء والقِدَم٢، الذي لا مطمع في إدراكه لثواقب الأذهان٣ ونوافذ الهمم. أحمده على ما علم وألهم، وسوغ وأنعم. وصلى الله على كاشف الظلم، ورافع التهم، وموضح الطريق الأَمَم٤، المخصوص بجوامع الكَلِم٥، والمبتعث إلى جميع العرب والعجم، وعلى آله وصحبه أهل الفضل والكرم، وسلم عليه وعليهم وشرف وعظم.
وبعد -أيها السيد الذي توالت علي نعمه، وأخذ بضَبْعي٦ من حَضِيضَي الفقر والخمول اعتناؤه وكرمه، وقضى إحسانه إليَّ ومحبته التي جُبلت٧ عليها بأن ألتزم من بره وطاعته ما أنا ملتزمه- فإنك سألتني -بوأك الله أعلى الرتب، كما عمر بك أندية الأدب، ومنحك من سعادتي الدنيا والآخرة أوفر القِسَم٨، كما جمع لك فضيلتي التدبير والقلم- إملاء أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره، وشيء من سير ملوكه، وخصوصًا ملوك المصامدة بني عبد المؤمن، من لَدُن ابتداء دولتهم إلى وقتنا هذا -وهو سنة ٦٢١- وأن ينضاف إلى ذلك نبذة من ذكر من لقيتُه، أو لقيتُ من لقيه، أو رويتُ عنه، بوجه ما من وجوه الرواية، من الشعراء والعلماء وأنواع أهل الفضل؛ فلم أر بُدًّا من إسعافك والمسارعة إلى ما فيه رضاك؛ إذ هي الغاية التي أجري إليها، والبغية التي أثابر أبدًا عليها؛ ولوجوب طاعتك عليَّ من وجوه يكثر تعدادها؛ فاستخرت الله ﷿ فيما ندبتني٩ إليه، واستعنته واعتمدت في كل ذلك عليه؛ فهو الموئل والملجأ،

١- الرِّمَم: جمع الرُّمَّة: العظام البالية.
٢- القدم: الوجود من غير ابتداء.
٣- ذهن ثاقب: مُتَّقد، يقال: ثقبت النار ثقوبًا: اتقدت، والكوكب: أضاء.
٤ الطريق الأمم: الواضح، البين، القريب، الوسط.
٥- الكلام الجامع: الذي قلت ألفاظه وكثرت معانيه.
٦- الضبع: ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها، وهما ضبعان.
٧- جُبل فلان: خُلق، يقال: جبل الله الخلق جَبْلًا: خلقهم، ويقال: جبله على الشيء: طبعه.
٨ القسم: جمع القسمة: النصيب.
٩- ندب فلانًا إلى الشيء: دعاه ووجهه.

1 / 11

وهو حسبنا ونعم الوكيل.
هذا مع أني أعتذر إلى مولانا -فسح الله في مدته- من تقصير إن وقع، بثلاثة أوجه من الأعذار:
فأولها: ضعف عبارة المملوك وغلبة العِيِّ١ على طباعه، فمهما وقع في هذا الإملاء من فتور لفظ، أو إخلال بسرد، فهو خليق بذلك.
والوجه الثاني: أنه لم يصحبني من كتب هذا الشأن شيء أعتمد عليه وأجعله مستندًا كما جرت عادة المصنفين. وأما دولة المصامدة خصوصًا فلم يقع إليَّ لأحد فيها تأليف أصلًا، خلا أني سمعت أن بعض أصحابنا جمع أخبارها واعتنى بسيرها، وهذا المجموع لا أعرفه إلا سماعًا.
والوجه الثالث: أن محفوظاتي في هذا الوقت على غاية الاختلال والتشتت؛ أوجبتْ ذلك هموم تزدحم على الخاطر، وغموم٢ تستغرق الفكر، فرغبة المملوك الأصغر إجراء مولانا إياه على جميل عادته وحميد خلقه من التسامح والتغاضي، لا زال مجده العالي يرفع الهمم، ويعقد الذمم، ويوصل النعم، ويعمر ربوع الفضل والكرم.

١- العي: العجز عن التعبير اللفظي بما يفيد المعنى المقصود، أو عدم الاهتداء لوجه المراد.
٢- الغموم: جمع الغم: الكرب أو الحزن.

1 / 12

فصل في ذكر جزيرة الأندلس وحدودها
فأول ما يقع الابتداء به ذكر جزيرة الأندلس١ وتحديدها والتعريف بمدنها ونبذ من أخبارها وسير ملوكها، من لدن فتحها إلى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١؛ إذ هي كانت مُعْتمد المغرب الأقصى، والمعتبرة منه، والمنظور إليها فيه. وهي كانت كرسي المملكة، ومقر التدبير، وأم قرى تلك البلاد؛ لم يزل هذا معروفًا من أمرها إلى أن تغلب عليها يوسف بن تَاشُفين اللَّمتوني٢، فصارت إذ ذاك تبعًا لمراكش٣ من بلاد العُدْوَة٤، ثم تغلب عليها المصامدة بعده، فاستمر الأمر على ذلك إلى وقتنا هذا، فأقول وبالله التوفيق:
أما حدود جزيرة الأندلس؛ فإن حدها الجنوبي منتهى الخليج الرومي الخارج من بحر مانطس، وهو البحر الرومي٥ مما يقابل طَنْجَة٦، في موضع يعرف بالزُّقاق -سعة البحر هنالك اثنا عشر ميلًا-وهذا الخليج هو ملتقى البحرين، أعني بحر مانطس وبحر أُقيانس٧.

١- الجزيرة: الأرض التي يُحدق بها الماء، أي: يحيط بها من جميع جهاتها، وليست الأندلس كذلك؛ لأنها تتصل بالبر من جهة الشرق. وقد سميت جزيرة على المجاز، من باب تغليب الكل على الجزء.
٢- هو أبو يعقوب، يوسف بن تاشفين بن إبراهيم المصالي الصنهاجي اللمتوني الحميري: سلطان المغرب الأقصى، وملك الملثمين، وأول من لُقب بأمير المسلمين في المغرب. بنى مدينة مراكش سنة ٤٦٥هـ. ثم شمل سلطانه المغربينِ الأقصى والأوسط وجزيرة الأندلس بأكملها. توفي سنة ٥٠٠هـ/ ١١٠٦م. "الأعلام، الزركلي: ٢٢٢/٨".
٣- مراكش: مدينة عظيمة بالمغرب، بينها وبين البحر عشرة أيام في وسط بلاد البربر. وبينها وبين جبل درن ثلاثة فراسخ. "معجم البلدان، الحموي: ٩٤/٥".
٤- العدوة لغةً: شاطئ الوادي، أو المكان المتباعد، والمراد بها هنا: الشاطئ الإفريقي، أو بلاد المغرب الأقصى.
٥- البحر الرومي: هو البحر الأبيض المتوسط.
٦- طنجة: مدينة على ساحل بحر المغرب، مقابل الجزيرة الخضراء، وبينها وبين سبتة مسيرة يوم واحد. "معجم البلدان، الحموي: ٤٣/٤".
٧- أقيانس: الأوقيانوس، أو المحيط الأطلسي.

1 / 13

وحداها الشمالي والمغربي البحر الأعظم، وهو بحر أقيانس المعروف عندنا ببحر الظلمة، وحدها المشرقي الجبل الذي فيه هيكل الزهرة الواصل ما بين البحرين: بحر الروم وهو مانطس، والبحر الأعظم. ومسافة ما بين البحرين في هذا الجبل قريب من ثلاث مراحل، وهو الحد الأصغر من حدود الأندلس. وحداها الأكبران الجنوبي والشمالي، مسافة كل واحد منهما نحو من ثلاثين مرحلة. وهذا الجبل الذي ذكرنا فيه هيكل الزهرة الذي هو الحد المشرقي من الأندلس، هو الحاجز ما بين بلاد الأندلس وبين بلاد إفرنسة من الأرض الكبيرة١، أرض الروم التي هي بلاد إفرنجة العظمى.
والأندلس آخر المعمور في المغرب٢؛ لأنها كما ذكرنا منتهية إلى بحر أقيانس الذي لا عمارة وراءه.
ومسافة ما بين طُلَيْطُلة التي هي قريبة من وسط الأندلس، ومدينة رومية قاعدة الأرض الكبيرة، قريب من أربعين مرحلة، ووسط الأندلس كما ذكرنا مدينة طليطلة العتيقة، التي كانت قاعدة القوطا من قبائل الإفرنج، ثم ملكها المسلمون زمان الفتح على ما سيأتي بيانه، وعرضها تسع وثلاثون درجة وخمسون دقيقة، وطولها ثمانٍ وعشرون درجة بالتقريب، فصارت بذلك قريبًا من وسط الإقليم الخامس.
وأقل بلاد الأندلس عرضًا المدينة المعروفة بالجزيرة الخضراء، على البحر الجنوبي منها، وعرضها ست وثلاثون درجة، وأكثر مدنها عرضًا بعض المدائن التي على ساحلها الشمالي، وعرض ذلك الموضع ثلاث وأربعون درجة.
فتبين بما ذكرنا أن معظم الأندلس في الإقليم الخامس أميل إلى الشمال؛ فلذلك اشتد بردها وطالت مدة الشتاء فيها وعظمت جسوم أهل ذلك الميل وابيضت ألوانهم وكانت أذهانهم إلى الغلظ ما هي، فنَبَتْ٣ عن كثير من الحكمة.
وطائفة من الأندلس في الإقليم الرابع، كإشْبِيلية، ومالَقة، وقُرطُبة وغَرْنَاطة، والمَرِيَّة ومُرْسِيَة، فهذه البلاد التى ذكرنا في الإقليم الرابع أعدل هواء وأطيب أرضًا وأعذب مياهًا من البلاد التي في الإقليم الخامس، وأهلها أحسن ألوانًا وأجمل صورًا وأفصح لغة من أولئك؛ إذ كان للميول والسُّموت في اللغات تأثير بين لمن استقرأ ذلك وفهم علته.
وجملة مدن الأندلس التي هي أمهات قراها ومراكز أعمالها ومواضع مخاطبات

١- الأرض الكبيرة: هي عند قدماء العرب: بلاد الفرنجة التي تلي الأندلس من جهة الشرق.
٢- هذا مبلغ ظن العرب آنذاك، قبل اكتشاف القارة الأمريكية.
٣- نبا الشيء نُبُوًّا ونَبْوَةً: لم يستوِ في مكانه المناسب له، ونبا السيف عن الضريبة: لم يُصبها، ونبا البصر عن الشيء: أعرض عنه ونفر.

1 / 14