تقول: «كم كنت مثيرة! ولم أدر حتى ذلك.»
تخبرني بما كان أبي يقوله لها، كان يقول لها إنه كان يتمنى لو كانت هي من صارت زوجته من البداية وليس أمي. «هذا ما قاله. قال إنني أنا من كانت ستناسبه، وإنه كان من المفترض أن يكون هو أول من يتزوجني.»
وهذه هي الحقيقة، على حد قولها. •••
حين نزل أبي، قال إنه قد تحسن، وإنه قد نال قدرا قليلا من النوم وإن الألم قد تلاشى، أو على الأقل ظن أنه يتلاشى. كان بإمكانه أن يحاول تناول شيء؛ فقدمت له إرلما شطيرة، وبيضا مقليا، وصوص تفاح، وكوبا من الشاي. حاول أبي أن يتناول كوب الشاي، ثم تقيأ وظل يتقيأ مادة صفراء.
ولكن قبل أن يغادر إلى المستشفى كان عليه أن يصطحبني إلى الحظيرة ليريني مكان التبن، وكيف أضعه للأغنام. يربي هو وإرلما 24 رأسا أو نحو ذلك من الأغنام، لا أعرف لماذا يفعلان ذلك؛ فلا أظن أنهما يتكسبان من الأغنام ما يكفي من المال لكي يكون هذا العمل الذي يتكبدانه بسببها يستحق العناء. ربما يكون من قبيل الطمأنة فقط أن يكون ثمة بعض الحيوانات حولهما. كان لديهما كلب باستر بالطبع، ولكنه ليس من حيوانات المزرعة بالمعنى الدقيق؛ فالأغنام تولد مهاما؛ أعمالا حقلية تظل بحاجة إلى القيام بها، وهو نوع العمل الذي عرفاه طوال حياتهما.
الأغنام لا تزال ترعى بالخارج، ولكن الحشائش التي تتغذى عليها فقدت بعضا من قيمتها الغذائية - إذ كانت هناك عاصفتان من الصقيع - لذا لا بد أن تتناول التبن كذلك. •••
أجلس في السيارة بجواره حاملة العلبة ونتبع ذلك الطريق القديم المعتاد ببطء - شارع سبنسر، شارع الكنيسة، شارع ويكسفورد، شارع ليدي سميث - نحو المستشفى. البلدة لا تزال على حالها إلى حد كبير على عكس المنزل ؛ فما من شخص يسعى لتجديدها أو تغييرها. غير أنها تغيرت في نظري. لقد كتبت عنها واستهلكت كل مكان فيها؛ فلا تزال هنا على نحو أو آخر نفس البنوك ومتاجر الأدوات المعدنية والبقالة وصالون الحلاقة وبرج مجلس البلدة، غير أن كل رسائلها البلدة الكثيرة والسرية التي كانت تبعث بها إلي تلاشت جميعا.
ولكن لم تتلاش بالنسبة إلى أبي؛ فقد عاش هنا وليس في أي مكان آخر، ولم يهرب من الأشياء عن طريق مثل هذا الاستخدام. •••
يحدث أمران غريبان بعض الشيء عند اصطحابي لأبي إلى داخل المستشفى؛ يسألونني عن عمره، وأجيب على الفور: «اثنان وخمسون»، وهو عمر رجل تربطني به علاقة حب. فأضحك وأعتذر وأهرع إلى السرير الذي يرقد عليه في قسم الطوارئ، وأسأله إن كان عمره اثنين وسبعين أم ثلاثة وسبعين؛ فينظر إلي وكأن السؤال قد أثار استغرابه هو الآخر، ويقول: «معذرة.» بأسلوب رسمي لكي يكسب وقتا للتركيز، ثم يستطيع أن يخبرني بأنه في الثانية والسبعين. تسري رعشة بسيطة عبر جسده بأكمله، إلا أن ذقنه يرتعش على نحو ملحوظ مثلما كان يحدث مع أمي. وفي خلال الفترة القصيرة منذ دخوله المستشفى حدث بعض الاستسلام. بالطبع كان يعرف أنه سيحدث، وهذا ما جعله عازفا عن القدوم. تأتي الممرضة لقياس ضغط الدم لديه ويحاول أن يشمر كم قميصه ولكنه لا يستطيع؛ فتضطر هي للقيام بذلك بدلا منه.
تقول لي الممرضة: «يمكنك الذهاب والجلوس في الغرفة بالخارج؛ فالجلوس هناك مريح أكثر.»
Bilinmeyen sayfa