ويختم عميد كلية الآداب، الذي نزعت منه حكومته هذا اللقب فمنحته أمته لقب عميد الأدب، يختم كلمته مخاطبا الجمع الكبير الذي لم يزل يتزايد حتى فاض عن حديقة الدار، بقوله: «أقبلوا على دروسكم كراما أعزاء، وابسموا لحياتكم الجامعية، فقد أنشأتموها كريمة عزيزة، وليكن بيننا موثق من الله ألا نؤمن إلا بالحق، ولا نخلص إلا للعلم، ولا نرضى إلا بالكرامة. وإلى اللقاء.»
حديث المساء
في صباح يوم من أيام الأسبوع الأخير من شهر فبراير عام 1933 يقوم سكرتير الوفد المصري، الأستاذ مكرم عبيد، بزيارة طه حسين في منزله بالزمالك، يسأل عن أحواله وأحوال أسرته، ويتحدث عن أحوال البلاد، التي لا يزال صدقي باشا يجاهد لإخضاعها بالقوة والإرهاب.
وطه حسين يقول: «إن الذي يحاول إخضاع البلاد في الحقيقة هم الإنجليز والسراي، وإن الشعب لا شك سيحقق لنفسه بكفاحه آخر الأمر ما يصمم على الوصول إليه من الاستقلال السياسي والحرية الاجتماعية.»
وسكرتير الوفد يرد بأن هذا الكفاح يحتاج إلى تضافر جهود كل أبناء الشعب، وهذا يعني أن على قادة الرأي والفكر أن يتحملوا نصيبهم فيه، ثم يقترح على طه حسين أن يشترك في تحرير الصحيفة المسائية الناطقة عند ذاك باسم الوفد، وهي صحيفة كوكب الشرق، فيطلب طه حسين مهلة للتفكير.
ويوشك طه حسين أن يعتذر، ولكن رئيس الوفد مصطفى النحاس باشا يقنعه بأن كفاح الشعب محتاج إلى جهاد كل مؤمن بحقه، فيقبل، وإنه ليعلم أنه بذلك يتحمل عبئا ليس بالخفيف.
ويخصص الأستاذ أحمد حافظ عوض صاحب جريدة كوكب الشرق صفحتها الأولى كلها مساء يوم 5 مارس 1933 لمقال يعلن فيه للشعب «حدثا خطيرا بالغ الأثر، وهو مشاركة طه حسين بقلمه الفياض في الصحافة المصرية، وفي السياسة المصرية وفي الأزمة المصرية الحالية»، كما تنشر الجريدة في نفس العدد رسالة واردة لها من رئيس الوفد المصري مصطفى النحاس باشا يقول فيها إنه مغتبط باشتراك النابغة الكبير الدكتور طه حسين في تحرير جريدة «كوكب الشرق». •••
ويظهر أول مقال لطه حسين في «كوكب الشرق» في التاسع من مارس بعنوان «عهد»، يقول فيه: «إن خير ما يستطيع المصري أن يقدمه لوطنه في هذه الأيام إنما هو الإخلاص في القول والعمل، والصدق في الرأي، والمضاء في العزم، والقوة على المقاومة، والاستعداد لاحتمال المكروه.» ثم يعاهد الذين سيقرءونه على أنه: «سيكون من هذا كله بحيث يحبون.»
يكرس طه حسين أكثر ساعات وقته للصحيفة، تقرأ عليه الأخبار التي يجمعها مندوبوها، والبرقيات التي ترد من الخارج، ويقابل من يقابل من الزائرين والمحررين، ويدعى إلى التليفون فيجيب، ثم يملي المقال الرئيسي كل صباح، ويملي مقالات أخرى قصيرة بغير إمضاء، يطلق عليها المحررون اسم «الطقاطيق»! ويكتب في صفحة الجريدة الأدبية كل أسبوع، فإذا انصرف إلى داره لم يسترح إلا قليلا قبل أن يدخل مكتبه لتقرأ عليه قارئته ما يرد من الخارج من الكتب الأجنبية، ثم ليقرأ عليه سكرتيره ما يطلب قراءته من الكتب العربية، وهو في ذلك العام يطيل الاستماع إلى سيرة الرسول
صلى الله عليه وسلم ، يتأمل كم قاسى وكم صبر، وكيف صمد للشدائد وكيف انتصر، فلا يمضي بعد ذلك زمن طويل حتى يأخذ في إملاء الجزء الأول من كتابه «على هامش السيرة».
Bilinmeyen sayfa