Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
والوجه الأول يقول به السدى، وابن إسحاق، والثانى يقول به ابن جريج وهو الصحيح. وعلى كل حال فذلك شروع من يوسف عليه السلام من غير ما أراد فى تبين رؤياهما، لأن فى رؤيا أحدهما مكروها، فإن رؤيا الخباز تأويلها الصلب فكره الإخبار بها وأعرض، لعلهما ينسبان، وقيل لأنه أراد أن يبين لهما درجته فى العلم والنبوة والمعجزة، أعظم وأعلى مما طلبا منه من التعبير للرؤيا المبنى على التخمين والظن، ولا شك أن الإخبار عن الغيب على سبيل اليقين أعظم، والعالم به عالم بتعبير الرؤيا بطريق أولى. وقيل لأنه علم أن أحدهما يصلب فأراد أن يدخله فى الإسلام ويخلصه من الكفر ودخول النار، فيأخذ بحظه من الإسلام، وتسلم له آخرته فلا يخسرها كما خسر دنياه، ولا مانع من أن يريد جميع ما فى تلك الأقوال كلها، بل هو أولى ويريد مع ذلك زيادة هى أنه إذا أخبرهما بدرجته زادا له تصديقا فقصداه بالانتفاع فى الدين، وأنه دلهما على ما هو أولى أن يسألا عنه وهو التوحيد، فإنه أراد إرشادهما إليه كما دل عليه ما يأتى، وهكذا طريق الأنبياء والعلماء والصالحين مع الفسقة والسفهاء، إذا استفتوهم أن يقدموا الموعظة والإرشاد إلى ما هو أعظم مما سألوا وأنفع، ثم يفتوهم، وغرض يوسف ذلك لا التزكية حاشاه، ولما قال لهما ذلك، قالا له ذلك من علم العرافين والكهنة والنجامة، فمن أين لك ذلك ومن علمكه؟ قال { ذلكما } أى التأويل { مما علمنى ربى } بالإلهام والوحى، لا تكهن ولا تعرف ولا تنجم، وكان يعتقدان أن لا رب سوى الملك ريان ابن الوليد، وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو { إنى } استنئاف مجرد للترغيب أو تعليل لتعليم الله عز وجل ذلك له { تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله } أى رفضت دين قوم غير مؤمنين بالله، ولم أدخله قط قبل كونى مع العزيز،وبعد كونى معه، وإنما عبر بالترك مع أنه لم يدخله قط استجلابا لهما عسى أن يتركا ما هما فيه من الشرك، والمراد بالقوم المشركون مطلقا، وقيل الملك وأتباعه. { وهم بالآخرة هم } تأكيد لشدة إنكار البعث والجزاء، وللدلالة على اختصاصهم بالكفر، وأن غيرهم مؤمنون هم الذين على ملة إبراهيم، وللتعريض بما أصيب به من جهتهم إذ سجنوه بعد ما رأوا الآيات الشاهدة على براءته { كافرون }.
[12.38]
{ واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب } استئناف أو عطف على التعليل، أى علمنى ذلك لأنى تركت ملة قوم لا يؤمنون الخ، ولأنى اتبعت ملة، وعلى الوجهين فالكلام تضمن التمهيد للدعوة إلى الإيمان، لكن إن جعلناه مستأنفا فهو لمجرد التمهيد، أو عطفا على التعليل فللتمهيد، والتعليل أظهر أنه متبع لملة هؤلاء الكرام المشهورين بالرسالة والدرجة العليا فى الآخرة والدنيا المرضيين عند الناس، وأنه من ذريتهم ترغيبا لهما فى الاستيثاق به، والاقتباس منه، فإنه يجوز لمن لا يعرف أن يصف نفسه حتى يعرف ويرغب فيه إذا كان غرضه أمر الآخرة أو أمرا مباحا. { ما كان لنا أن نشرك بالله من } صلة للتأكيد { شىء } مفعول نشرك، والإشراك اسم كان، ولنا خبرها، أو هى تامة والإشراك فاعل، ولنا متعلق بها، أو صلة للتأكيد، ولنا خبر المبتدأ الذى هو الإشراك، والضمير فى لنا لمعشر الأنبياء أو ليوسف وآبائه المذكورين، أو للناس كلهم، وعلى الوجهين الأولين، فالمعنى ما يصح، او ما ينبغى لنا أن نشرك بالله شيئا بعصمتنا، والمراد بالشئ العاقل كالملك والآدمى والجنى، وغير العاقل كالأصنام، وقيل المراد هنا العاقلين لينبه على خطئهم فى عبادة جماد لا يضر ولا ينفع، ولا يسمع ولا يبصر بالطريق الأولى. { ذلك } المذكور من تعليم الله إياه، واتباعه ملة آبائه { من فضل الله علينا } أى على وعبر بلفظ " نا " تعظيما لتلك المنزلة، لا تعظيما لنفسه بالذات، أو الإشارة إلى التوحيد، فيكون ضمير علينا ليوسف وآبائه { وعلى الناس } إذ نصيب لهم الأدلة بواسطتنا معشر الرسل، وبين لهم طريق الهداية بنا. { ولكن أكثر الناس } وهم الكفار { لا يشكرون } الله على ذلك لعدم تنبههم له، أو ذلك الذى نصب الله أدلة التوحيد من فضل علينا، أو على الناس جميعا، ولكن نظرنا فاسد للنا فشكرنا، وأكثرهم لم ينظر فلم يستدل فلم يشكر بأن بقى كافرا.
[12.39]
{ يا صاحبى السجن } أضافهما للسجن لملابستهما له، وكأنه قال يا ساكنى السجن، كما يقال أصحاب الجنة، وأصحاب النار، أو الإضافة بمعنى فى كأنه قيل يا مصاحبين لى فى السجن { أأرباب } آلهة { متفرقون } أى متعددون، فإن المتعدد متفرق كل منه على حدة كذا ظهر لى، أو معنى تفرقها تخالفها، هذا من شجر، وهذا من حجر، وهذا من فضة، وذلك من ذهب، وذلك من نحاس وغير ذلك، وواحد طويل، وآخر قصير، وآخر متوسط، ولا تضر ولا تنفع تلك التسمية والعبادة بالذات ولا بغيرها، وجمع السلامة للمذكر تغليب للعقلاء المربوبين، أو تنزيل لغير العقلاء منزلتهم، لأنه كذلك عند عائديها وهذا على ان المراد غير العقلاء { خير أم الله الواحد } لم يزل وحده، أو المعدم للشريك والقرين، أو المنفرد فعلا وقولا وصفة وذاتا، واستحقاقا للعبادة بالحقيقة ولو لم تفطنا لها { القهار } أى الذى لا يقاومه غيره، فضلا عن أن يغبه، وقد قهر الجبابرة من خلقه بالعقوبة فلم يردوها إذا جاءتهم، وقهر الخلق كلهم بالموت، وانقادت له الأجسام والأعراض، وتلك الأرباب معبودة من دون الله، مقهورة، والاستفهام للتقرير أو لإنكار أن تكون الأرباب خيرا، وذلك جلب لهم إلى التوحيد بألطف وجه، إذا حاجهما بدرجة يسيرة متى سلماها لزمت عنها درجة فوقها حتى يتوصل بهما إلى الحق، ولو حاجهما بما هو الحاصل دفعة لزاد نفورا.
[12.40]
{ ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } خالية عن معنى الربوبية والألوهية، وذلك أنهم يعبدون الأوثان ويسمونها آلهة وأربابا، وما تحصلوا فى ذلك إلا على أسماء ليست تحتها ذوات تستحقها، وإن قلنا المراد بالأسماء المسميات، احتاج الكلام إلى تقدير مفعول، أى سميتموها آلهة أو أربابا، والمختار الأول، والمراد بالآباء الوالدون والأجداد. { ما أنزل الله بها } أى بعبادتها أو بثبوتها أربابا وآلهة، أو بتسميتها كذلك { من } صلة للتأكيد فى المفعول به { سلطان } أى حجة وبرهان، قيل كانوا يدعون أن الله أمرهم بتسمية الأوثان آلهة وأربابا، فرد عليهم يوسف بأن الله سبحانه وتعالى ما أمر بذلك، بل عبدتم وسميتم تشبها وتقليدا، ولا حجة عقل ولا تقل فى ذلك، ابتدأ الخطاب أولا لصاحبيه الخباز والساقى، فكان الضمير ضمير اثنين، ثم جميع من كان فى السجن، فكان الضمير ضمير جمع، أو خاطب بضمير الجماعة من فى السجن وأهل مصرى تغلبا للحاضر على الغائب. { إن } ما { الحكم } القضاء فى أمر العبادة والديانة، والأمر والنهى { إلا الله } لا يشاركه الأوثان ولا غيرها فيه { أمر ألا تعبدوا إلا إياه } أمركم على لسان رسله أن لا تعبدوا إلا إياه، لأنه المستحق للعبادة، لأنه الواجب الوجود لذاته، الموجد لما سواه، والملك له، الدال عليه بالحجج. { ذلك } المذكور من التوحيد، وأختصاص الله بالعبادة { الدين القيم } المستقيم بالبراهين والعقل { ولكن أكثر الناس } وذلك الأكثر هم الكفار { لا يعلمون } ذلك، ولا الجزاء على خلافه، فهم يتخبطون فى جهلهم. وروى أن الساقى والخباز قالا بأى شئ توصلت إلى معرفة الغيب؟ ومن علمك؟ فقال
إنى تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون
فقالا وما دينك؟ وما تعبد؟ قال
واتبعت ملة آبائى إبراهيم وإسحاق ويعقوب
Bilinmeyen sayfa