1361

Hamayan Zad

هميان الزاد إلى دار المعاد

Bölgeler
Cezayir

قال الملك ريان قد صح عندى أن الذنب لزليخا ولكن أضعه عليه لئلا ينكشف سترها، وأسجنه لكى يعذبها بما وجدت عذابا شديدا من حجابها به عنها. وقرأ الحسن لتسجننه بتاء الخطاب إما خطابا للعزيز وأصحابه، أو له أو لأهله خاطبهم به ببعض أو له وحده تعظيما، وذلك أن واو الجماعة مقدر فى لتسجننه، وكذا فى قراءة الجمهور حذف لإلتقاء الساكنين. وقرأ ابن مسعود عتى حين بالعين على لغة هذيل وأقرأها رجلا وسمعه عمر يقرأ بها فقال له عمر من أقرأك؟ قال ابن مسعود، فكتب إليه إن الله أنزل هذا القرآن فجعله عربيا، وأنزله بلغة قريش فأقرئ الناس بلفظ قريش ولاتقرئهم بلغة هذيل والسلام، والخبر مطلق، وقد يرون فيه رأيهم، وقال عطاء، أرادوا حينا تنقطع مقالة الناس فيه، وقال عكرمة سبع سنين، وقال الكلبى خمسين سنة، وقضى الله سبحانه بسبع سنين. قال الكلبى بلغنا أنها قالت لزوجها صدقته وكذبتنى وفضحتنى فى المدينة، فأنا ساعية فى رضاك إن لم تسجنه وتسمع به وتعذرنى، فأمر أن يحمل يوسف على حمار، فضرب الطبل أن هذا يوسف العبرانى، راود سيدته على نفسها، وطيف به فى أسواق مصر كلها، ثم أدخل السجن.

قال أبو صالح لم أر ابن عباس قط يذكر الحديث على يوسف إلا بكى، وذلك ليحسب الناس أنه المجرم ولإياسها من طاعته، ولطمعها أن يذلله السجن ويسخره لها، وتبصر ما يكون منه. وروى أنها قالت إن هذا الغلام العبرانى قد فضحنى فى الناس، وهو يعتذر إليهم، ويصف الأمر بحسب اختياره، وأنا محبوسة محجوبة فإما أن تأذن لى فأخرج أعتذر وأكذبه، وإما أن تحبسه كما حبستنى، وإلا لم أطق أن أعتذر بعد، وقد نكس رأسى عند تطايرى، وشاع خبرى وخبره بمصر. وروى أنها قالت لا براءة لى عندهم إلا أن أسجنه، فسجنه، وقد علم ببراءته. وروى أنه قال لها لا يسجن إلا الملك ريان بن الوليد، وكان مراده فيما قيل أنه يخرج أمره من يدها، لأنها ربما حنت عليه وأخرجته، فإذن لها فى الخروج إلى ريان، فلبست ثيابها وجعلت تاجها على رأسها، وأقبلت حتى أتت ريان بن الوليد، وكان فى بيته الأعظم، وهو من حديد ونحاس مرصع بالدر والجواهر، وكان إذ أراد أحد الدخول عليه نظر إليه الملك قبل الدخول من كوة، ولما رأى زليخا مقبلة استوى جالسا، وأمر الغلمان بفتح الأبواب ففتحوها لها، وكانت ذات قدر عظيم عنده مطاعة إذا أمرت، لأنها كانت من بنات الملوك، فلما دخلت خرت ساجدة له، فقال لها ارفعى رأسك فأنت المقربة المرضية ، وحاجتك عندى مقضية، فرفعت رأسها إليه، وأخذت بالثناء عليه، لأنه من أدب السؤال. فقالت أيها الملك دام لك البقاء، وألبست ثوب النعمة والرخاء، لم تزل لى مكرما، وإلى حوائجى مسرعا، وإن عبدى العبرانى قد استعصى على، وأحب أن تأذن لى فى حبسه فى سجن المجرمين حتى يتأدب ولو بعد حين. فقال لها قد جعلت أمر السجن ومن فيه بيدك، فأطلقى من شئت وأقبلت إلى منزلها وأمرت بإحضار حدادين إليها، فمثلوا بين يديها، فقالت أريد أن تصنعوا لى قيدا محكما لعبدى العبرانى، فقالوا لها أيتها الملكة المطاعة فى أمرها، والعظيمة فى قدرها، إنا نرى بدنا ناعما وساقا رقيقا، ووجها أنيقا، ولا يخفى أنه ربى فى نعمة شاملة، وعافية كاملة، وكيف يقوى هذا على ثقل الحديد، وثقاف التقييد؟ قالت قيدوه ولا بد، فقال قيدونى فإنى من أهل بيت البلاء، فقيدوه واحتملوه على الاكتاف إلى السجن، وتسامع الناس به، وأقبلوا من كل مكان، وصعدوا على الجدران، وامتلأت الطرق، ولما كثر نظر الناس إليه نكس رأسه، وألقى يده على صدره، والناس يقولون عصى سيدته الملكة، وهو يقول هذا خير من عصيان ربى، ومن مقاسات النيران، وسرابيل القطران، بين حميم آن.

والناس يقولون له يا يوسف تركت بيت الرخاء والسرور والنعمة والحبور، واخترت السجن، ولو اخترت الموت لكان خيرا لك من هذا، وهو يقول اخترت ما اختار الله لى إذا كان راضيا عنى فلا أبالى، ولما وصلوا السجن قالوا للسجان خذ هذا الغلام واحبسه، فإن سيدته غضبت عليه، وأمرت أن يحبس فى سجن المجرمين، فأدخله السجان إلى السجن، وأقعده بين أصحاب الكبائر والجنايات. ودخل العزيز على زليخا فقال لها ما فعلت بيوسف؟ فقالت قيدته وسجنته، وكان مرادها أن تخرجه عن قريب، فقال لها العزيز أقسمت عليك بحرمة الملك ريان بن الوليد ورأسه، ألا ما أبقيته فى السجن مؤبدا ما دام الملك حيا، فلم يمكنها إلا إبرار القسم، وأدركها الندم فلم تجد عذرا تخرج به عن الذى فعلته، فكانت تصعد إذا جن الليل على قصرها، وتنظر إلى السجن وتبكى وتقول حبيبى يوسف، ليت شعرى أنائم أنت أم يقظان؟ ليت شعرى أجائع أم شبعان؟ وتبكى الليل وتنتحب حتى ينفجر الصبح وجدا عليه، وشوقا إليه، قد أنحلها الغرام، وخالطها الهيام، وداخلها السقام، وهجرها المنام، ولا تسلوا بشئ إلا تذكره، ولا تسأل إلا عن أمره. قال وهب مات جماعة منهن يعنى بالعشق لا بقطع الأيدى كما قد يتوهم، وفى زهر الأكمام مات من النسوة التى رأيته تسع نسوة شوقا إليه، ووجدا عليه، وروى أن زليخا أرسلت إلا السجان تشكو إليه الأشجان. وفى عرائس القرآن جعل الله تعالى ذلك السجن تطهيرا ليوسف من همه بها، وكذا عن السدى.

[12.36]

{ ودخل معه السجن } خادمان للملك، قال بعض هما عبدان له غير حرين، اتفق دخولهما ودخول يوسف بوقت واحد، كما تدل عليه لفظة مع، فإنها للصحبة، وقد تستعمل بمعنى جميع، والغالب دخولها على الفاضل كما هنا، وكما فى قولك جاء الجند مع الأمير، وتدخل مع المفضول. والفتيان صاحب شراب الملك، وصاحب طعامه، سمع الملك أنهما يريدان أن يسماه فسجنهما وهو الملك الأكبر ريان بن الوليد العملقى، واسم صاحب الشراب بنوى، واسم صاحب الطعام مجلة، وذلك أن جماعة من أهل مصر أرادوا المكر بالملك واغتياله، فأتوهما وضمنوا لهما مالا على أن يسماه فى طعامه وشرابه، فأجابوا إلى ذلك، ثم ندم الساقى، وقبل صاحب الطعام الرشوة، فسم الطعام، فلما حضر وقت الطعام قال الساقى أيها الملك لا تأكل الطعام فإنه مسموم، وقال الخباز أيها الملك لا تشرب فإن الشراب مسموم، وكان لم يلق فى الشراب سم. وروى أنه جعله بين أصبعيه ليلقيه فندم، فطرحه فى غير الماء، فقال الملك للساقى اشرب فشرب فلم يضره، وقال للخباز كل من طعامك فأبى فجرب ذلك الطعام فى دابة فهلكت من حينها. ورواية السدى أن الملك اتهمهما بأن الخباز منهما أراد أن يسمه ووافقه الساقى فسجنهما، قال فى زهر الأكمام إن قوما من أهل مدين ضموا لهما مالا على أن يسماه فقبلا، وانتهى خبرهما إلى الملك، وكان الساقى فطنا كيسا، راجع عقله وقال لا أعجل بإلقاء السم فلعل الملك قد يسمع فيأمرنى أن أشرب، فإن لم أشرب افتضحت، وإن شربت مت، فجعل السم بين ظفرين من أظافره، وقال إن بلغه ذلك وأمرنى أن أشربه شربت، وإن لم يبلغه وأمرنى أن أناوله شرابه جعلت السم فيه. وأما صاحب الطعام فلم يدبر شيئا فألقى فيه السم، فلما قدم الساقى الشراب قال له اشرب فشرب، ورمى السم من يده، ولما قدم الخباز طعامه المسموم قال له كل ما قدمت إلى، فتغير لونه واضطربت مفاصله، واصطكت ركبتاه، وامتنع أن يأكل، فدعا الملك بسنور وأمر بتقديم الطعام إليه فأكله فهوى من ساعته، وانتفخ وانتثر، وتحقق الملك خيانته، وارتاب فى صاحب الشراب فسجنهما معا ليرى رأيه فيهما. { قال } ليوسف بعد استقرارهما فى السجن { أحدهما } وهو ساقيه { إنى } وسكن الياء غير نافع وأبى عمرو { أرانى } سكنها غيرهما وغير ابن كثير، أى أرى نفسى فى المنام، والرؤيا الحلمية يجوز أن تعمل فى ضميرين متصلين مرجعهما واحد كالرؤية العلمية والظنية، وقد عملت الحلمية هنا فى الضمير المستتر وفى الياء. { أعصر خمرا } أى أعصر عنبا وسماه خمرا، لأنه يئول بعد العصر خمرا، فهو مجاز مرسل، وعلاقته الأول وهذا هو المشهور فى كتب المعانى والبيان وغيرها، ويجوز أن يكون أعصر مضمنا معنى أستخرج، فالتجوز على هذا فى أعصر لا فى خمرا، وقيل ذلك بلغة أزد عمان، وكانوا يسمون العنب خمرا، وعليه فلا مجاز، وقرأ ابن مسعود أعصر عنبا، ويحتمل أن تكون قراءة تفسير، والمضارعان فى أرانى أعصر خمرا حكاية حال ماضية، كان الساقى حال إخباره يوسف بذلك ملبس بالرؤيا والعصر للخمر.

روى أن الساقى قال رأيت كأنى فى بستان فيه أصل شجرة عنب فيها ثلاثة قضبان فى كل قضيب عنقود، وكان كأس الملك فى يدى، فجنيت العناقيد فعصرتهن فى الكأس، فسقيت الملك فشرب. وفى رواية رأيت كأن الملك دعانى وردنى لقصره، فبينما أنا أدور فى القصر إذا بثلاثة عناقيد عنب فعصرتها، فجعلتها فى كأس لأسقى الملك، وفى رواية أنه استيقظ فرحا وقال إنى رأيت فى منامى كأن بين يدى ثلاث طسوس من ذهب فى طبق، فى كل طست ثلاثة أصول من الكرم، وعلى كل أصل ثلاثة عناقيد من العنب، فأخذت العناقيد وعصرتها خمرا، وسقيت الملك. { وقال } ليوسف أيضا { الآخر } وهو صاحب طعام الملك { إني أرانى } فى الياءين ما مر { أحمل فوق رأسى خبزا تأكل الطير منه } نهشا بأفواهها، وهكذا أكل الطير فى الكشاف رأيت أن فوق رأسى ثلاث سلال فيها ألوان أطعمة، وإذا سباع الطير تنهش منها ا ه. ولم يذكر الله فى الآية إلا الخبز، ولكن لم يذكر بصيغة حصر، فإن صح أن مع الخبز سواه لم يناف الآية، وفى رواية رأيت كأن المك أخرجنى ودفع إلى طيفورة عليها خبز فوضعتها فوق رأسى، والطير تأتى وتأكل منها. وفى رواية كأنى خرجت من مطبخة الملك، وعلى رأسى ثلاث سلال من خبز، فأكل الطير من أعلاها، وفى رواية كأن فوق رأسى ثلاثة تنانير من حديد، مضرمة بنار، فخبزت خبزا كثيرا، وملأت منه ثلاث سلات وحملتهن على رأسى، وكانت السلة العليا مكشوفة، والطير تسقط عليها من الهوى فتأكل منها. أما الساقى فرأى تحقيقا، وأما الخباز فلم ير شيئا، ولكنه ابتدع الرؤيا المذكورة، وقيل كلاهما رأيا تحقيقا، وعن ابن مسعود ما رأى أحدهما شيئا، ولكنهما تحالما أى ادعيا رؤية المنام، وقال تعال نجربه، وذلك أنه أخبرهم أنى عالم بتأويل الرؤيا. وروى أنهما رآهما مهمومين فسألهما فذكرا أنهما غلامان الملك حبسهما، وأنهما رأيا رؤيا. { نبئنا } أخبرنا { بتأويله } أى بتعبير ما رأينا إن كنت تعرفه { إنا نراك من المحسينين } إلى أهل السجن بالإقامة على مريضهم، ومداواة الجريح، والتوسيع لمن ضيق عليه فى المكان، ومواساة من احتاج من وظيفته، وبالجمع له، وتصبير المحزون. وكان فى السجن ناس أنقطع رجاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا، إن لهذا لأجرا، فقالوا بارك الله عليك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى؟ قال أنا يوسف، ابن صفى الله يعقوب، ابن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم، قال الفتيان أحسن إلينا بتأويل ما رأينا، بماتفرج به الغمة.

ومع ذلك الإحسان، كان يقوم الليل كله بالصلاة، ويصوم النهار، ويجتهد فى العبادة، وذلك قول الضحاك وقتادة، وقيل المعنى إنا نراك من الذين يحسنون تعبير الرؤيا، وكانا قد رأياه يجيد تعبيرها إذا قصها عليه بعض أهل السجن، وقيل إنا نراك من العلماء، لأنهما سمعاه يذكر للناس ما علما به أنه عالم، وهذا قول الجمهور. وروى أن الفتيين قالا له إنا قد أحببناك مذ رأيناك، فقال أنشدكما بالله لا تحابنى، فوالله ما أحبنى أحد إلا دخل على من حبه بلاء، لقد أحبتنى عمتى فدخل على من ذلك بلاء، وأحبنى أبى فألقيت فى الجب، وأحبتنى امرأة العزيز فحبست، فلا تحبانى بارك الله فيكما. وقال له عامل السجن لو استطعت لخليت سبيلك، ولكن أحسن جوارك، فكن فى أى بيوت السجن شئت، وقال لقد أحببتك حبا شديدا، فقال له لا تفعل، فإنى أعوذ بالله من حبك، قال ولم ذلك؟ قال أحبنى أبى ففعل بى إخوتى ما فعلوا، وأحبتنى سيدتى فكان من أمرى ما ترى.

[12.37]

{ قال لا يأتيكما طعام } فى المنام { ترزقانه } الهاء مفعول ثان، والأول ناب عن الفاعل وهو الألف { إلا نبأتكما بتأويله } بتعبيره { قبل أن يأتيكما } فى اليقظة فتجدانه على ما وصفت من هيئة وعدد، أو لا يأتيكما طعام فى اليقظة إلا بينت لكما هيئته ونوعه، وكونه حلوا أو حامضا، باردا أو سخنا، وعدده فتجدانه إذن كما بينت، وذلك كقول عيسى عليه السلام

وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون فى بيوتكم

Bilinmeyen sayfa