Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ قالوا يا شعيب أصلواتك } باستفهام التهكم والسخرية، أو التوبيخ والإنكار، والجمع لكثرة صلاته، كأنهم قالوا أصلاتك التى تداوم عليها ليلا ونهارا، وقرأ حفص، وحمزة، والكسائى أصلاتك بالإفراد، وكان أكثر الأنبياء صلاة، قال الحسن لم يبعث الله نبيا إلا فرض عليه الصلاة والزكاة، وقيل المراد بالصلوات الدعوات، وكان كثير الدعاء. وقال الأعمش المراد القراءة والدعاء، وقيل قالوا أدينك فذكر الله عنهم أصلواتك، فإن الصلاة من أعظم شعائر الدين وفيه بعد { تأمرك أن نترك } معلوم أن الإنسان لا يؤمر بترك فعل غيره، أو بفعل عين فعل غيره، وإنما يترك الفعل ذلك لغير الفاعل له، ولكن المراد تأمرك بتكليفك إيانا أن نترك، أو بتكليف أن نترك { ما يعبد آباؤنا } أى عبادة ما يعبده آباؤنا من الأصنام. { أن نفعل فى أموالنا ما نشاء } من التطفيف والقطع من الدرهم والدينار وصنعها ناقصة، والتدليس فيها وإجراءها مع الصحيحة النصيحة، وبخس أموال الناس، والعطف على ما، أى أو أن نترك فعلنا ما نشاء فى أموالنا لا على قوله { أن نترك } لأنه لم يأمرهم أن يفعلوا فى أموالهم ما يشاءون إلا على قراءة ابن أبى عبلة، تفعل وتشاء بالتاء فيهما خطابا لشعيب، فالعطف على قوله { أن نترك } أى أو تأمرك أن تفعل ما تشاء فى أموالنا من تحريم التعطفيف فيها والبخس، وإنما أسندوا الأمر للصلاة تهكما بها. وكان من عادة الناس إذا أكثر الرجل فعل شئ جعلوا ذلك الشئ آمره وناهيه، ولأن من رغب فى رتبة من خير أو شر تدعوه تلك الرتبة إلى التزيد من ذلك النوع، فكأنهم قالوا لما خالفتنا بالصلاة، تجاوزت إلى ذم شرعنا وحالنا، فكأن صلاته جسرته على ذلك، وأمرته به أمرا باطلا لا يدعو إليه عقل، بل أمر وسوسة من الشيطان، وهذيان وجنون، كما يتولع المجانين والموسوسون ببعض الأقوال من الأفعال. { إنك لأنت الحليم الرشيد } فينا موسوما بذلك ومشهورا، فكيف صدر منك الأمر بترك عبادة الأصنام، وترك التصرف فى أموالنا بما نشاء، وخالفت دين قومك، وشققت عصاهم، فهذه الجملة تعليل للإنكار الذى يفيده قولهم أصلواتك، ويحتمل أن يريدوا بها التهكم به، ووصفه بضدها، فالمراد السفيه الغاوى، كما يقال للجبان لو أبصرك عنترة لمات جبنا، وللشحيح لو أبصرك حاتم لسجد لك، أو لاستبخل نفسه. وقال ابن عباس المراد السفيه الغاوى أولا بطريق التهكم، بل بطريق تسمية العرب الشئ باسم ضده، كما يقال للديغ سليم، وللفلاة المهلكة مفازة، وكأنهم تفاءلوا له بالحلم والرشد، وهو عندهم خارج عنهما، وهذا محتمل فى المثالين، أو أرادوا أنك حليم رشيد فى زعمك، فكيف تدعونا إلى ترك ما وجدنا عليه آباءنا، والتصرف فى أموالنا بما نشاء.
[11.88]
{ قال يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة } بيان بالعلم والنبوة والهداية { من ربى ورزقنى منه رزقا حسنا } مالا حلالا، وكان كثير المال والنعمة طيبهما، لا بخس ولا تطفيف، وزعم بعض أن البينة البصيرة ونور العقل، ولا بأس بهذا وأن الرزق الحسن النبوة والحكمة والمعرفة والعلم، وفى هذا ضعف ظاهر، إلا إن أريد أن ذلك سبب الرزق الحسن فى الدنيا والآخرة. وإنما قال منه على معنى من عنده تعالى وأعانه بلا كد منى فى تحصيله، وجواب الشرط محذوف تقديره، فهل يسعنى أن أخالفه وأتبعكم مع هذا الإنعام الجامع لخير الدنيا والآخرة؟ ومتعلق أرأيتم بمعنى أخبرونى هو مجموع الشرط والجواب، ويجوز كون الجواب مدلولا عليه بأرأيتم، وذلك المقدر متعلق أرأيتم إن كنت على بينة من ربى وأتانى رحمة منه، فأخبرونى هل يسعنى أن أخالفه؟ وإنما حذف هل يسعى الخ سواء جعل جوابا أو متعلق جواب، لدلالة إثبات الجواب فى قصتى نوح وصالح على مكانة، ولتدل معنى الكلام عليه، وذلك الكلام من شعيب مراعاة حق الله تعالى، وهو أهم الحقوق وأعلاه، ولذلك بداية قيل. وأشار إلى حق النفس بقوله { وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه } من الإشراك والتطفيف وغيرهما، أى لست أنهاكم عن ذلك لأفعله أنا، وأختص به، فإنه لا خير فيه لى ولا لكم، وإنما أنهاكم نصيحة لكم، وشفقة عليكم، ولو كان صوابا لفعلته ولم أختص به، بل آمركم به لكمال نصحى لكم، وشفقتى عليكم، يقال خالفت زيدا أنى كذا إذا قصدته، وأدبر عنه وخالفته عنه فى العكس، ويحتمل أن يكون ذلك مأخوذا من خلفه، بمعنى وراءه، لأنك قصدت إلى ما تركه زيد وراء ظهره، أو تركت ما قصد إليه وراء ظهرك. وأشار قبل إلى حق الناس بقوله { إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت } أى مدة استطاعتى، فما ظرفية مصدرية، أى ما أريد إلا أن أصلحكم بموعظتى ونصحى مدة استطاعتى الإصلاح، وتمكنى منه لا أقصر فى ذلك كما تقتضيه الحقوق الثلاثة المذكورة، والمصدر ظرف زمان بنيابته عن المدة، كما رأيت متعلق بأريد، قيل أو بأداة النفى وهو أصح من حيث المعنى. ويجوز أن يكون ما اسما واقعا على المقدار بدلا من الإصلاح بدل اشتمال، أى المقدار الذى استطعته من الاستطاعة، أو المقدار الذى استطعت إصلاحه، وحذف المضاف، وإن قدرنا المقدار الذى استطعته من الإصلاح كان بدل بعض واسما واقعا على المقدار، على تقدير مضاف قبلها، أى إصلاح ما استطعت، فيكون البدل اشتماليا أو بعضيا كذلك، ويجوز كونها مفعولا للإصلاح، فيكون ذلك من إعمال المصدر المقرون بإلا، أى لا أن أصلح ما استطعت إصلاحه من فسادكم أو من فاسدكم.
{ وما توفيقى إلا بالله } إلى الحق { عليه توكلت } لأنه القادر دونكم ودون ما تعبدون، وذلك إشارة إلى محض التوحيد، وكذلك قوله { وإليه أنيب } أى أراجع فى أمورى كلها، لا أعمل بما يخالف، وإن أراد بالإنابة الرجوع بالبعث، فهو إشارة إلى معرفة المعاد بعد الإشارة إلى أقصى مراتب العلم بالمبدأ وهو التوحيد، وهذه ثلاث جمل الأولى حصرية بإلا، والثانية والثالثة بتقديم المعمول، وذلك تأكيد للتوحيد ودين الله، وإقناط من اتبعهم وفى الإنابة بمعنى الرجوع بالبعث تهديد بالجزاء، وكان صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شعيبا قال
" ذلك خطيب الأنبياء "
كما مر فى الأعراف، وأما قوله { إن أريد إلا الإصلاح } فإظهار لمحض النصح لهم كما مر، ونفى للجبر على الطاعة، وياء توفيقى مفتوحة عند نافع، وابن عامر، وأبى عمرو واو ساكنة عدهم على الإصرار.
[11.89]
{ ويا قوم لا يجرمنكم } لا يكسبنكم من جرم المتعدى لاثنين، فإنه تارة يتعدى لهما، وتارة لواحد، وكذا كسب الأول الكاف، والثانى أن يصيبكم، وقرأ ابن كثير بضم الياء على أنه من أجرم المتعدى لواحد، تعتدى بالهمزة إلى آخر، يقال أجرمه زيد ذنبا إذا جعله جارما، أى كاسبا له، كما يقال أكسبته مالا أى جعلته كاسبا له، وقيل والأفصح استعمالهما الثلاثيين عند التعدى لاثنين، لأنه أكثر استعمالا فى ألسنة الفصحاء، وأما أجرم بمعنى أذنب وهو رباعى فهو الأكثر، والنهى فى اللفظ الشقاق فإن قوله { شقاقى } أى مخالفتى فاعل، وفى المعنى للمخاطبين عن الشقاق، أى لا تشاققونى فيجرمنكم شقاقى. { أن يصيبكم مثل } فاعل يصيب، وقرأ أبو حيوة بالفتح على البناء للإبهام مع الإضافة المبنى، وهو رواية عن نافع، والمشهور عنه الرفع، وقال ابن مالك مثل لا تبنى بالإضافة لمبنى، لأنها تخالف سير المبهمات، لأنها تثنى وتجمع، وجعل مثل فى قراءة الفتح مفعولا مطلقا، وفاعل يصيب ضمير الله تعالى، وجعل مثل فى
إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون
حال من ضمير مستتر فى حق، على أنه اسم فاعل حذف ألفه، وضعف ابن هشام ذلك. { ما أصاب قوم نوح } من الغرق { أو قوم هود } من الريح { أو قوم صالح } من الصيحة { وما قوم لوط منكم ببعيد } فى الزمان، فإنهم أهلكوا فى زمان قريب من زمانكم، وهم قرب الهالكين منكم، أو فى المكان، وذلك أن قوم شعيب جيران لقوم لوط، وبلادهم قريبة من بلادهم، فإن لم تعتبروا بمن قبلكم فاعتبروا بهم، أو فى الكفر والمعاصى ما يوجب الإهلاك، بل قد قاربتموهم، أو ساوايتموهم، فوجب لكم من الهلاك مثل ما وجب لهم جنسا أو نوعا، والباء صلة للتأكيد، وبعيد خبر ما، وأفرد بجواز استعمال القوم استعمال المفرد المذكر، والمفرد المؤنث، هو الجمع، فانظر حاشيتى على المرادى فى باب العدد، أو لأن التقدير لشئ بعيد، أو التقدير ما زمان قوم لوط أو ما مكانهم أو ما إهلاكهم، ولأن بعيدا فعيل بمعنى فاعل يجوز أن يستوى فيه المذكر والمؤنث، لأنه بوزن المصدر كالذميل والصهيل، ويجوز كون الباء ظرفية أى فى مكان بعيد فلا إشكال فيه.
Bilinmeyen sayfa