Hamayan Zad
هميان الزاد إلى دار المعاد
{ ومنهم من يستمعون } الواو نظر إلى معنى من { إليك } إذا قرأت القرآن، أو علمت الحلال والحرام، أو أخبرت عن غيب بآذانهم، ولا يؤثر ذلك فى قلوبهم، فهم كمن لا يحسن صوتا بإذنه، ولذلك قال { أفأنت تسمع الصم } أى تجعل الذين هم صم سامعين الكلام. { ولو كانوا } أى الصم { لا يعقلون } كما لا يعقل الجماد والبهيمة، وللأصم الذى لا يسمع شيئا بحال، لا يكون كذلك فى الغالب إلا مع فساد العقل، فلا سبيل إلى أن يعقل هو أو يعقله أحد، حجة لا يقدر صلى الله عليه وسلم على ذلك، فكذلك لا يقدر على إسماع هؤلاء والتأثيرة فى قلوبهم، لأنهم لمتابعتهم الخيال، ومشايعتهم من القوة، وتقليدهم الرؤساء والآباء، كمن لا سمع له ولا عقل، ولو كان لهم سمع وعقل يدركون به مجرد الكلام.
[10.43]
{ ومنهم من ينظر إليك } بعينيه، ويشاهد بهما دلائل النبوة والصدق، ولكن لا يؤثر ذلك فى قلبه، ولا يصدق به، فهو كمن لم ينظر، ولذلك قال { أفأنت تهدى العمى } بأن تجعل فى عيون وجوههم نورا يهتدون به حيث ساروا. { ولو كانوا لا يبصرون } أى الآية لهم يعقلون بها الهدى، فذلك بمنزلة لا يعقلون، عدل عنه لئلا يتكرر، لا يقدر على ذلك، فكذلك لا تقدر على تأثير ذلك فى قلب من ذكر، والواو الداخلة على لو فى الموضعين للحال، شبههم بمن هو أصم وأعمى، والحال أيضا أنه لا عقل لهم، فإن الأصم العاقل قد يتفرس بما رأى بعينه، أو بدوى صوت ما إذا وقع فى صماخه، والأعمى العاقل ينتفع بما يسمع. ويجوز أن يراد بالصم والعمى هؤلاء المكذبون، فكأنه قيل أفأنت تسمعهم سماع قبول ولو كانوا لا يعقلون، أفأنت تهديهم إلى الحق ولو كانوا لا يبصرون، فوضع الظاهر موضع المضمر، ليدل على أنهم لا ينتفعون بسمعهم ونظرهم، وعلى هذا فالجمع فى قوله { العمى } نظر إلى معنى من فى قوله { من ينظر } بعد مراعاة لفظها فى ينظر، وذلك فى المعنى، تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعليل لقوله
فقل لى عملى
الخ أى أعرض عنهم، فإن كلامك لا يؤثر فيهم، ولما كان ذلك موجبا لعذابهم، ذكر أنهم استوجبوه بأفعالهم التى أتوها اختبارا منهم، لا بظلم من الله تعالى عنه فقال { إن الله لا يظلم الناس شيئا }.
[10.44]
{ إن الله لا يظلم الناس شيئا } ظلما ما { ولكن الناس } أعاد الظاهر تأكيدا { أنفسهم } مفعول مقدم للفاصلة { يظلمون } باكتسابهم اختيارا ما يوجب عذابهم، وذلك أيضا وعيد، ويجوز أن يكون المعنى إن الله تعالى لا ينقصهم شيئا مما يتوصلون به إلى مصالحهم من عقول، وحواس، وبعث رسل، وإنزال كتب، ولكنهم ظلموا أنفسهم بإفساد عقولهم وحواسهم، واستعمالها فيما يضر، وبتكذيب الرسل والكتب، وقرأ حمزة، والكسائى بتشديد لكن، ونصب الناس.
[10.45]
{ ويوم } أى واذكر يوم { نحشرهم } وفى قراءة يحشرهم أى هؤلاء المشركين، فهو مفعول به لا ظرف، نعم هو ظرف إن نصبناه بيتعارفون، أو بيستقلون محذوفا، دل عليه جملة التشبيه، والواضح ما ذكرته أولا، وقرأ بعض، والأعمش يحشرهم بالتحتية أى الله { كأن } مخففة واسمها ضمير الشأن { لم يلبثوا } فى الدنيا أو فى القبر أو فيهما قيل الأول أولى، لأن المؤمن والكافر مستويان فى عدم معرفة ما لبثا فى القبر، فيحمل على ما يختص بحال الكافر. { إلا ساعة } ظرف { من النهار } استقصروا لبثهم مع طوله، لهول ما رأوا فى الحشر، وقال الشيخ هود رحمه الله لطول لبثهم فى النار، وذلك أن أيام العافية تمر فى غفلة، ولهو، فما يشعر المغرور إلا وقد نقضت، فكأنها قصيرة، بخلاف أيام البلاد، وأن لبثهم بعد الحشر لا غاية له، فمقامهم فى الدنيا فى جنبه كالعدم، وأن العمر المضيع فى غير الطاعة كالعدم، وأن كل أمد طويل إذا انقضى فهو والقصير سواء، وخص النهار لأن ساعاته معروفة ببينة، وجملة { كأن لم يلبثوا } الخ إنشائية عندى لا خبرية، فلا تصح حالا، ولكنها معمول لقول محذوف، وذلك القول حال، أى مقولا كأن لم، أو قائلين كأن لم، وصاحب الحال الضمير المستتر أو الهاء، وعليه ففى الكلام خروج عن مقتضى الطاهر، فإن مقتضاه كأن لم نلبث بالنون، ففيه التفات سكاكى، أو ذلك القول نعت لمصدر محذوف، أى حشرا مقولا كأن لم يلبثوا قبله الخ، ولا تكون تلك الجملة نعتا ليوم عندى، لأنه معرفة، فإن قوله { يوم يحشرهم } بمنزلة يوم حشرهم، غير أن بعض المتأخرين أجاز نعت المعرفة بالجملة والظروف، مأولا لها بالمعرفة، ولأنها إن شاء كما مر، ويجوز كونها مقدرة بقول معرف يكون نعتا، أى يوم حشرهم المقول فى شأنه كأن لم يلبثوا قبله إلى إلخ. { يتعارفون } يعرف بعضهم بعضا معرفة قليلا قدر ما تحصل المعرفة فقط { بينهم } متعلق به، لأنه بمعنى يوقعون المعرفة بينهم إذا بعثوا، وينقطع التعارف بعد لشدة الأمر. وقد روى أنه لا يعرف أحد أحدا عند الميزان، حتى يعلم أى أخف أم يرجح، وعند تطاير الصحف، حتى تعلم أيأخذها بيمينه أو بشماله، وعند الصراط حتى يعلم أيجوزه أم لا، يعنى السؤال عن القناطر، وأحوال القيامة مهولة مختلفة، ففى بعضها يعرف بعضهم بعضا، وفى بعضها لا يعرف أو المراد أنهم يعرف بعضهم بعضا فقط دون أن يقدموا على الكلام هيبة وخشية، أو المراد بالتعارف التلاوم والتلاعن، وذلك كله بعد الحشر. والجملة حال ثانية إذا جعلنا الأولى حالا من الهاء، أو هذه مستأنفة متعلق بها اليوم كما مر، أو ذلك التعارف فى الدنيا، فتكون الجملة حالا من الواو فى { لم يلبثوا } فيفيد أنهم لبثوا وتعارفوا فى الدنيا قدر الساعة، وأخبر الله عنهم نيته فى الدنيا بقوله { قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله } شهادة عليهم، وتعجيبا ممن خسر آخرته فى دنياه، وذلك مستأنف، ويجوز أن يكون ذلك معمولا لقول محذوف حال من واو يتعارفون، أى يتعارفون قائلين تحسرا وتلهفا { قد خسر الذين } الخ مريدين بالذين أنفسهم، فوضعوا الظاهر موضع الضمير، أو حال من الهاء فى نحشرهم، أو من المستتر فيه، أو حال من الهاء بلا تقدير قول.
{ وما كانوا مهتدين } عطف على خسر الذين، أو على كذبوا، أو مستأنف تعجيبا ممن أعطى آيات يهتدى بها إلى المصالح والفوز، وينجوا بها من العذاب والخسران، فضيعها بالاستعمال فيما يورثه العذاب الدائم والخسران.
Bilinmeyen sayfa