Yüz Yılda İngiliz Felsefesi (Birinci Bölüm)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Türler
فقد كانت هذه النظرية هي التي ألهمت دارون فكرته المشهورة في الصراع من أجل الوجود، وكانت هذه الفكرة هي التي أتاحت له جمع ملاحظاته واستدلالاته البيولوجية في نسق موحد. ونستطيع أن نعبر عن الخدمة التي أسداها دارون إلى العلم بقولنا: إنه تكهن بالدلالة البيولوجية لقانون مالتوس القائل إن هناك علاقة عكسية في المجتمعات البشرية بين عدد السكان وكمية الطعام المتوافرة (بحيث يزيد الأول بمعدل أسرع من الثاني)، وأتى بأدلة تجريبية متعددة تثبت أن هذا القانون يسري على الحياة في المستويات دون البشرية؛ وبذلك أخضع مجال الحياة بأسره لمبدأ مشترك. غير أن دارون لم يهتم إلا قليلا بالأثر العام لنظريته في النواحي غير البيولوجية للإنسان، ولم يمس هذا الموضوع إلا لماما، مثلما فعل، مثلا، بالنسبة إلى الأفكار الأخلاقية التي أرجع أصلها (كما فعل نيتشه فيما بعد بتأثير دارون) إلى الغرضية الواضحة الغريزة الحيوانية، غير أن مذهب دارون البيولوجي قد مهد الطريق دون شك لعملية تطبيق المبدأ الذي سبق إثباته بالتفصيل بالنسبة إلى عالم الحياة فيما دون الإنسان، على الإنسان ذاته، وتطويره بحيث تتكون منه نظرية عامة عن حياة الإنسان الاجتماعية وتاريخه، وقد تولى هذه المهمة سبنسر و«كيد
Kidd » وغيرهما، ونفذوها في الإطار العام لأفكار دارون، وبفضل هذين المفكرين طبق المذهب الدارويني تطبيقا مثمرا في مجالات الأخلاق، والتاريخ، (ولا سيما تاريخ الشعوب البدائية) وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والاقتصاد، أي في العلوم المعنية بالإنسان على وجه التخصيص.
وما إن ثبتت الداروينية أقدامها في المجال البيولوجي وأصبحت مثارا للجدل في جميع أرجاء العالم، حتى لم يعد من الممكن الحيلولة دون ذيوع النظرة العامة المتضمنة فيها بشأن الحياة والكون، وأصبح زحفها الظافر أمرا مؤكدا؛ فهي - من حيث هي فلسفة - قد جعلت ما هو دون الإنساني مقياسا أو معيارا للإنساني، ولم تعد تنظر إلى الإنسان على أن له قيمة في ذاته، وإنما نظرت إليه على أنه لا يعدو أن يكون الفرع الأخير في شجرة نسب ترجع في أصلها إلى العالم الحيواني والنباتي، وبتعبير أعم، فهي قد فسرت كل شيء لا بالصور العليا للطبيعة، وإنما بصورها الدنيا، وكانت تمثل «مذهبا طبيعيا
naturalism » من حيث إنها جعلت العوامل دون الإنسانية أهم من العوامل الحضارية، ومذهبا بيولوجيا
Biologism
من حيث إنها عبرت عن المسائل الفلسفية من خلال المقولات والنظريات البيولوجية، وكانت مذهبا تطوريا
evolutionism
من حيث إنها نظرت إلى الأشياء كلها على أنها جزء من عملية من التطور الصاعد، ومذهبا آليا
Mechanism
لأنها فسرت الظواهر الغائبة من خلال العلل الآلية وقوانينها. وهكذا فإن هذه النظرة إلى الكون، التي احتفظت بخطوطها العريضة على الرغم من الاختلاف في النقاط التفصيلية، قد انقضت كالسيل الجارف، في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، على جميع مجالات الحياة العقلية، وأصبحت هي الفلسفة الشعبية للمثقفين وأنصاف المثقفين وغير المثقفين على السواء، وقد أثارت الاهتمام بالمشكلات الفلسفية، وانتقلت بالمناقشات الخاصة بها بعيدا عن الأوساط الاحترافية المحضة، وأثارت الصراع بين الفرق المتباينة، واستفزت بوجه خاص أولئك الذين لم يروا فيها إلا قوة معادية للدين والأخلاق وكل القيم التي كان معترفا بها من قبل. وإذا كانت لم تتحول في إنجلترا إلى مذهب مادي ساذج إلا نادرا، وكان تأثيرها العام فيها أقل خطورة مما كان في بقية البلاد، فإن ذلك لم يكن راجعا فقط إلى الطابع المحافظ للإنجليز، بل كان راجعا أيضا، وقبل كل شيء، إلى أن قوة التراث الديني وعمقه ربما كان هناك أعظم مما كان في أي بلد آخر. ولقد اعترضت الكنيسة بقوة على المذهب الجديد، ودام صراعها معه عشرات عدة من السنين، كما أن الأوساط الأكاديمية في الفلسفة لم ترحب به إلا قليلا، وعاملته على أنه مذهب دخيل، وإن يكن مذهبا يستحق التحدي عن جدارة، غير أن أقوى سد ضد طوفان الداروينية هو ذلك الذي شيدته المدرسة المثالية الجديدة، التي ظهرت في نفس الوقت الذي أتى فيه ذلك الطوفان، وأخذت بالتدريج تحتل مكان الصدارة في الجامعات. وقد كانت الحركة المثالية في مرحلتها الأولى ترى أن مهمتها الأساسية هي قهر الداروينية، بل إنه ليبدو في كثير من الأحيان أنها لم تكن تهيب بكانت وهيجل إلا ليؤيدا وجهة نظر الدين في صراعه ضد هذه الزندقة الجديدة.
Bilinmeyen sayfa