Yüz Yılda İngiliz Felsefesi (Birinci Bölüm)
الفلسفة الإنجليزية في مائة عام (الجزء الأول)
Türler
المدرسة التطورية الطبيعية
رأينا من قبل أن الطابع السائد في الفلسفة الإنجليزية في النصف الأول من القرن التاسع عشر، وخلال بعض الوقت بعد ذلك، كان هو التعارض بين الفلسفة الاسكتلندية والتجريبيين التقليديين، وأن الأخيرين أخذوا يكسبون المواقع باطراد، ولكن حتى قبل أن ينتهي هذا الصراع، الذي كان هاملتن ومل آخر من خاضوه لصالح المذهب الأخير، ظهرت قوة جديدة كان ينتظر لها مستقبل باهر، وأعني بها مذهبي سبنسر ودارون. فقد بدأت فكرة التطور تظهر في الفلسفة، وكذلك في العلوم الخاصة، في العقد السادس، وهو العقد الذي شهد وفاة هاملتن وبلوغ مل أوج شهرته، وكانت الحركة التي بدأها سبنسر ودارون ترتبط ارتباطا وثيقا بالاتجاه التقليدي للفكر الإنجليزي كما حددنا معالمه. وعلى الرغم من أنها كانت نبتة جديدة رائعة، فإنها ظهرت من نفس فصيلة التجريبية القديمة وامتدت جذورها في نفس تربتها، فليس من الممكن رسم خط فاصل قاطع بينها وبين الحركة التي قادها بنتام ومل، وإنما تلتقي طريقتا التفكير في نواح تبلغ من الكثرة حدا لا تعود معه نسبة أي مفكر إلى المدرسة التطورية راجعة إلا إلى سيطرة الميل الدافع الجديد على فلسفته. غير أن هذا الميل الدافع الجديد سرعان ما أصبح من القوة بحيث إن قليلا جدا من المفكرين هم الذين استطاعوا، ابتداء من العقد السابع، أن يتجنبوا تأثيره عليهم.
ولقد كان وجود فكرة التطور في الجو في أواسط القرن التاسع عشر هو الذي جعلها تظهر في آن واحد من عدة مصادر مستقلة، وتهب كالعاصفة على الحياة العقلية المعاصرة لها بأكملها، مكتسحة معها كل شيء، ففي ميدان الفلسفة أتى بها سبنسر، وفي ميدان العلوم الخاصة أتى بها دارون ووالاس، وكان سبنسر هو الأسبق في ترتيب النشر. غير أن ظهور المبدأ الجديد من جهات متباعدة إلى حد كبير في وقت واحد - وهو علة ما أحرزه من نجاح سريع لا نظير له - يجعل مشكلة الأسبقية غير هامة نسبيا. والأمر الذي له أهميته العامة هو أن التحالف الذي دخلته الفلسفة في ذلك الحين مع علم الحياة قد أثبت أن له من الفائدة ما كان للتحالف بين الفلسفة وبين الرياضيات والفيزياء أيام ديكارت ونيوتن. وهكذا أصبح الفلاسفة يستوعبون ويستغلون نتائج العلوم الخاصة، وأصبح العلماء يتجاوزون نطاق أبحاثهم الخاصة إلى نتائجها الفلسفية العامة؛ وبهذا كانت قوى التطور تزحف في جبهتين، إن جاز هذا التعبير، وكانت الجبهتان متفرقتين أولا، ثم اتحدتا فيما بعد.
وعلى الرغم من أن سبنسر كان أول من عرض فكرة التطور علنا، فقد كان تشارلس دارون
Charles Darwin (1809-1882) هو الذي جعل لها تأثيرها الهائل، عن طريق كتابه «أصل الأنواع
The Origin of Species » (1859)، ولقد كان هذا الكتاب، الذي كان نقطة تحول في ميدانه بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى، من إنتاج عبقرية علمية ضخمة، تتميز بقدرتها على الجمع، على نحو فريد، بين دقة الملاحظة والصبر فيها، وبين الولاء المطلق للواقع والقدرة على التركيب الذهني الإبداعي. ولقد فاق هذا الكتاب أي كشف علمي آخر في القرن التاسع عشر في مدى الضجة التي أحدثها، وفي مقدار ثوريته، ومدى تداخله في الصراع بين الفئات والفرق المختلفة؛ ومن هنا فإن تقدير مدى تأثيره مستحيل.
ولقد تجاوز العلم بعض تفاصيله، وما زال بعضها الآخر موضوعا للنزاع، غير أنه في عمومه قد اندمج في تراث العلم الطبيعي وأصبح جزءا لا يتجزأ منه، بل لقد طغى وفاض في مسارات عديدة تغلغل بها في حياتنا العقلية العامة، حتى أبعد أطرافها، بحيث أصبح يكون، بصورة مختلفة مشوهة، ما يشبه الرأي الفلسفي عن الحياة والعالم للكتل الجماهيرية في جميع البلدان. أما دارون ذاته فلم يتخذ أبدا رداء الفيلسوف، وإنما كان شاعرا بالأثر الانقلابي الذي كان لا بد أن تحدثه نظريته في مناقشة المسائل الفلسفية، وكان هو ذاته يقوم من آن لآخر في كتاباته المتأخرة (ولا سيما في «الأصل السلالي للإنسان
The Descent of Man » 1871) باستخلاص بعض النتائج الفلسفية لأفكاره، عن طريق تطبيقها على مشكلات نفسية وأخلاقية، ولكن ذلك لم يكن إلا بطريقة عارضة. أما الاستغلال الفلسفي الدقيق لنظرية التطور فلم يكن يعبأ به أبدا. فدارون لم يكن دارونيا، وإنما ظل إلى النهاية كما كان دائما، باحثا متواضعا لظواهر الحياة النباتية والحيوانية، محبا للعزلة، مخلصا أمينا. وإنه لمن المناظر المؤثرة بحق أن نراه يترك الأمواج العاتية للمذهب الدارويني تتكسر على صخرة عمله، بينما هو لا يعبأ بشيء، ويواصل السير في طريق دراساته المرسوم دون أن يحيد عنه قيد شعرة.
وطالما حدث من قبله أن استبقت الأبحاث العلمية والتأملات النظرية عناصر مذهبه الرئيسية، وهي قابلية الأنواع للتغير، والانتقاء الطبيعي، والصراع من أجل الوجود، وبقاء الأصلح، والتكيف مع البيئة، ووراثة الصفات الملائمة، والأصل الحيواني للإنسان ... إلخ. غير أن جمع هذه العناصر سويا في صورة رائعة واحدة عن أصل الكائنات الحية وتطورها كان عملا انفرد به دارون، وإليه وحده يرجع الفضل فيه. ومن المهم بالنسبة إلى أغراضنا أن نلاحظ أن هذه الصورة لم تبن على أسس بيولوجية خالصة، بل ساهمت فيها نظرية مالتوس في السكان بدور حاسم،
1
Bilinmeyen sayfa