انظر مدى العجز الذي يعيق الأشرار، إن ما يعجزون عن كسبه ليس بالشيء الهين، ليس ميداليات ألعاب، إن ما يفشلون فيه هو أسمى الأشياء جميعا وأهم الأشياء جميعا ... تاج التيجان، لقد فاتهم النجاح في المسعى نفسه الذي يكدون له ليلا ونهارا ولا ينشدون سواه، وهو ذات المسعى الذي يفلح فيه الأخيار وتتجلى قوتهم.
فإذا تمكن رجل من المضي على قدميه إلى نقطة قصوى ليس بعدها بعد فسوف تعتبره بطلا في المشي، وبالمقياس نفسه سوف تعد من يبلغ الهدف النهائي الذي ما بعده هدف بأنه بالغ القدرة، والنقيض أيضا صحيح، فأولئك الأشرار هم كذلك ضعفاء لا حول لهم ولا قوة، وإلا فلماذا يحيدون عن الفضيلة إلى الرذيلة؟ فإذا قلت لأنهم لا يعرفون ما هو خير لسألتك أي عجز أشد من عمى الجهل؟ وإذا قلت إنهم يعرفون ما ينبغي طلبه ولكن الشهوات أضلتهم السبيل لكانوا في هذا أيضا ضعفاء من حيث التحكم في النفس، أما إذا قلت إنهم تنكبوا الخير ومالوا إلى الشر عن علم وإرادة فإنهم في هذه الحالة لا يعدمون القوة فحسب، بل يعدمون الوجود نفسه! فالذي يتخلى من الناس عن السعي إلى الغاية العامة لكل الموجودات فإنه لا يعود هو نفسه موجودا!
قد يستغرب البعض قولي إن الأشرار، وهم أغلبية الناس، غير موجودين، ولكني سأبين لك كيف يكون ذلك.
ذلك أنني لا أنكر أنهم أشرار ولكن أنكر أن لهم وجودا تاما مكتملا، فأنت قد تسمي الجثة إنسانا ميتا ولكنك لا يمكن أن تسميها إنسانا ببساطة، كذلك الأمر بالنسبة للأشرار، فإذا كنت أوافق على أنهم أشرار فلا يمكنني أن أوافق على أنهم يتمتعون بوجود تام، فالشيء إنما يعد موجودا إذا كان يلزم مكانه الصحيح ويحافظ على طبيعته، فإذا تخلى عن ذلك لم يعد موجودا؛ لأن وجوده رهن بمحافظته على طبيعته، قد تحتج بقولك إن الأشرار يملكون مع ذلك الغلبة والبأس، ولكني أرد بأن هذا البأس وتلك الغلبة صادران عن الضعف لا عن القوة؛ لأنهم ما كانوا ليفعلوا الشر لولا أنهم فقدوا القدرة على فعل الخير، وهذا وحده يثبت بوضوح أنهم عاجزون عن فعل أي شيء، فلما كان الشر عدما كما بينا منذ قليل، وكان لا يسعهم إلا اقترافه، فواضح إذن أن الأشرار لا يقدرون على أي شيء.»
ب : «واضح.»
ف : «ولكني أريدك أن تعي بدقة طبيعة القوة التي نتحدث عنها، لقد خلصنا منذ قليل إلى أنه لا شيء يعلو على الخير الأسمى ويفوقه قوة وبأسا.»
ب : «هو ذاك.»
ف : «ولكن الخير الأسمى لا يمكنه فعل الشر.»
ب : «لا يمكن.»
ف : «ولا أحد يقول بأن البشر ذوو قدرة مطلقة، أليس كذلك؟»
Bilinmeyen sayfa