ولم يحاربه شو لأنه يعادي العلم كما عاداه أبناء القرون الوسطى، وإنما عاداه لأنه عدا طوره وجاوز حده، وطلع على الناس أول مطلعه في نهاية القرن الثامن عشر كأنه صانع المعجزات وخليفة الدين والفلسفة والمعرفة الإنسانية في جميع شعابها غير مدافع إلى آخر زمان. فطامن شو من هذه الدعوى العريضة، وأعطى ما للعلم للعلم وأخذ منه ما ليس له أن يدعيه فضلا عن أن يدعي التفرد فيه، وكان توفيقه الأكبر في تفنيد مزاعم العلماء الذين زحفوا على محاريب الفنون الجميلة، فحاولوا أن يأخذوها بالمبضع والمشرحة كما يصنعون في المعامل والمستشفيات، فكانت صولة شو عليهم زاجرا نافعا جاء في إبانه، واستنقذ النقد الفني على الخصوص من المبضع والمشرحة ليرد إلى الفنون ما للفنون، ويعلم العلماء أين يسكتون وأين يتكلمون!
إلا أن حرب الأوثان لا تتشابه في جميع الأحوال، ولا سيما وثن العلم الحديث في أواخر القرن العشرين.
فليس لوثن العلم الحديث سدنة يقدرون على تسخير العامة والجهلاء في خلق الشهداء والضحايا، وربما كان الراضون بنقد العلم أكثر عددا وأشد بأسا من الساخطين على ناقديه.
ولا ننس أن العلم الحديث كان قد مضى على نشأته قرن كامل في عصر شو «الذهبي» وهو أوائل القرن العشرين، وكان في هذه الفترة قد استنفد قوة الدفعة الأولى، وترك أنصاره ومنكريه سواء على استعداد للشك في معجزاته أو الشك في خلافة «البحث التجريبي» لسائر البحوث الإنسانية، ومنها بحوث العقل والعقيدة. فلم يكن في المعركة محل للشهداء، بل كانت على دأب شو في جولاته وصولاته معركة رياضية، يتصافح بعدها الغالبون والمغلوبون.
ويبقى بعد هذا جميعه أن البراعة الفنية هي غاية ما ينشده برنارد شو من نكاته ولذعاته، وأنه قد ينسى الواقع والصواب، بل ينسى التبعة الأدبية في سبيل البراعة و«اللعبة» البهلوانية المتقنة.
ويبدو لنا أن تعليل هذه الخصلة في الرجل والكاتب على السواء غير عسير، فإنه ورث من أبيه وأمه معا قلة الاكتراث بالأوضاع القائمة، وقلة الشعور بالتبعة و«المسئولية»، وكثيرا من الاستخفاف بما يهم الناس ويلعجهم ويضطرهم إلى الجهد والتدبر الطويل.
فكان أبوه يدمن السكر ولا يحفل بشيء، وكان إذا أصيب بخسارة أو تعرض لبلية أرسل القهقهة وراء القهقهة، حتى يخيل إلى ناظره أنه مسلوب الرشاد، وقد اجترأت أمه على أن تترك زوجها وتعيش مع معلمها الموسيقي، دون أن تحفل بالبيت والبنين، وبما تلوكه الأفواه من التهم أو المعاذير.
أما تعليل تلك الخصلة من الناحية الفنية فقد نلتمسه في شيئين اثنين؛ أحدهما: نشأته الموسيقية وانصرافه إلى العزف والإيقاع منذ صباه الباكر، فأصبح «الوقع» عنده مقدما على الجوهر واللباب، ولا سيما الوقع الذي يتوخاه من لم يبلغ من الفن الموسيقي مبلغ الرجل الذي يؤدي فيه معاني الجوهر واللباب.
وثانيهما: أنه بلغ سن الكتابة والاشتغال بالمسائل العامة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، وهي الفترة التي كثرت فيها الدعوة إلى نبذ كل قديم والتعلق بكل جديد، فأصبح الإغراب والإبداع مقدمين على التحقيق والتمحيص، وأصبحت الحاجة إلى التنبيه والإعلان لازمة من لوازم الصحافة والمسرح وما يتصل بهما من أبواب الكتابة.
قال في جزيرة جون بل الأخرى: «إن طريقتي في المزاح أن أقول الحق الصراح ... إنه أعجب مزحة في هذه الدنيا.» وقال في أجوبته على الأسئلة التسعة: «إن أسلوبي هو أن أتعب غاية التعب في استنباط ما ينبغي أن يقال، ثم أن أقوله بعد ذلك بأدنى العبارات إلى الاستخفاف.»
Bilinmeyen sayfa