البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج
Yayıncı
دار ابن الجوزي
Baskı Numarası
الأولى
Yayın Yılı
(١٤٢٦ - ١٤٣٦ هـ)
Yayın Yeri
الرياض
Türler
فقال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه" (^١).
وخشوع الجسد تبع لخشوع القلب، إذا لم يكن الرجل مرائيًا يُظهر ما ليس في قلبه، كما روي: "تعوّذوا من خشوع النفاق"، وهو أن يُرى الجسد خاشعًا، والقلب خاليًا لاهيًا، فهو سبحانه استبطأ المؤمنين بقوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد: ١٦]، فدعاهم إلى خشوع القلب لذكره، وما نزل من كتابه، ونهاهم أن يكونوا كالذين طال عليهم الأمد، فقست قلوبهم، وهؤلاء هم الذين ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢].
وكذلك في الآية الأخرى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ الآية [الزمر: ٢٣]، والذين يخشون ربّهم هم الذين إذا ذكر الله تعالى وجلت قلوبهم.
[فإن قيل]: فخشوع القلب لذكر الله، وما نزل من الحقّ واجبٌ.
[قيل]: نعم، لكن الناس فيه على قسمين: مقتصدٌ، وسابقٌ، فالسابقون يختصّون بالمستحبّات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقّين للجنة، ومن لم يكن من هؤلاء، ولا هؤلاء، فهو ظالم لنفسه، وفي الحديث الصحيح، عن النبيّ ﷺ: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، ودعاء لا يسمع".
وقد ذمّ الله قسوة القلوب المنافية للخشوع في غير موضع، فقال تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ الآية [البقرة: ٧٤]. قال الزجّاج: قست في اللغة: غلُظت، ويبست، وعسيت، فقسوة القلب: ذهاب اللين والرحمة، والخشوع منه، والقاسي، والعاسي: الشديد الصلابة. وقال ابن قُتيبة: قست، وعست، وعتت: أي يبست، وقوّة القلب المحمودة غير قسوته المذمومة، فإنه ينبغي أن يكون قويًّا من غير عنف، وليِّنًا من غير ضعف. وفي الأثر: "القلوب آنية الله في أرضه، فأحبّها إلى الله أصلبها، وأرقّها،
_________
(^١) هذا موضوع مرفوعًا، وإنما هو من قول ابن المسيّب، وهو أيضًا ضعيف. انظر: "السلسلة الضعيفة" للشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى ١/ ١٤٣ - ١٤٤ رقم الحديث ١١٠.
1 / 50