Al-Zuhd waʾl-waraʿ waʾl-ʿibāda
الزهد والورع والعبادة
Editor
حماد سلامة، محمد عويضة
Publisher
مكتبة المنار
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٧
Publisher Location
الأردن
Regions
•Syria
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
الْفَصْل الاول الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة والورع
قَالَ الشَّيْخ ﵀ أهمية لُزُوم السّنة فصل فِي الصِّرَاط الْمُسْتَقيم فِي الزّهْد وَالْعِبَادَة والورع فِي ترك الْمُحرمَات والشهوات والاقصتاد فِي الْعِبَادَة وَأَن لُزُوم السّنة هُوَ يحفظ من شَرّ النَّفس والشيطان بِدُونِ الطّرق المبتدعة فَإِن أَصْحَابهَا لَا بُد أَن يقعوا فِي الآصار والأغلال وَإِن كَانُوا متأولين فَلَا بُد لَهُم من اتِّبَاع الْهوى وَلِهَذَا سمي أَصْحَاب الْبدع أَصْحَاب الْأَهْوَاء فَإِن طَرِيق السّنة علم وَعدل وَهدى وَفِي الْبِدْعَة جهل وظلم وفيهَا اتِّبَاع الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس معنى الضلال والغي والرشد وَالرَّسُول مَا ضل وَمَا غوى والضلال مقرون بالغي فَكل غاو ضال والرشد ضد الغي وَالْهدى ضد الضلال وَهُوَ مجانبة طَرِيق الْفجار وَأهل الْبدع كَمَا كَانَ السّلف ينهون عَنْهُمَا قَالَ تَعَالَى فخلف من بعدهمْ خلف أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَسَوف يلقون غيا
1 / 9
والغي فِي الأَصْل مصدر غوى يغوي غيا كَمَا يُقَال لوى يلوي ليا وَهُوَ ضد الرشد كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِن يرَوا سَبِيل الرشد لَا يتخذوه سَبِيلا وان سَبِيل الغي يتخذوه سَبِيلا والرشد الْعَمَل الَّذِي ينفع صَاحبه والغي الْعَمَل الَّذِي يضر صَاحبه فَعمل الْخَيْر رشد وَعمل الشَّرّ غي وَلِهَذَا قَالَت الْجِنّ وَإِنَّا لَا نَدْرِي أشر أُرِيد بِمن فِي الأَرْض أم أَرَادَ بهم رَبهم رشدا فقابلوا بَين الشَّرّ وَبَين الرشد وَقَالَ فِي آخر السُّورَة قل اني لَا أملك لكم ضرا وَلَا رشدا وَمِنْه الرشيد الَّذِي يسلم إِلَيْهِ مَاله وَهُوَ الَّذِي يصرف مَاله فِيمَا ينفع لَا فِيمَا يضر وَقَالَ الشَّيْطَان ولأعوينهم أَجْمَعِينَ الا عِبَادك مِنْهُم المخلصين وَهُوَ أَن يَأْمُرهُم بِالشَّرِّ الَّذِي يضرهم فيطيعونه كَمَا قَالَ تَعَالَى وَمَا كَانَ لي عَلَيْكُم من سُلْطَان الا أَن دعوتكم فاستجبتم لي وَقَالَ وبرزت الْجَحِيم للغاوين الى أَن قَالَ فكبكبوا فِيهَا هم والغاوون وجنود ابليس أَجْمَعُونَ وَقَالَ قَالَ الَّذين حق عَلَيْهِم القَوْل رَبنَا هَؤُلَاءِ الَّذين أغويناهم غوينا وَقَالَ مَا ضل ضاحبكم وَمَا غوى
1 / 10
ثمَّ ان الغي اذا كَانَ اسْما لعمل الشَّرّ الَّذِي يضر صَاحبه فَإِن عَاقِبَة الْعَمَل أَيْضا تسمى غيا كَمَا ان عَاقِبَة الْخَيْر تسمى رشدا كَمَا تسمى عَاقِبَة الشَّرّ شرا وعاقبة الْخَيْر خيرا وعاقبة الْحَسَنَات حَسَنَات وعاقبة السَّيِّئَات سيئات فالحسنات والسيئات فِي كتاب الله يُرَاد بهَا أَعمال الْخَيْر وأعمال الشَّرّ كَمَا يُرَاد بهَا النعم والمصائب وَالْجَزَاء من جنس الْعَمَل فَمن عمل خيرا وحسنات لَقِي خيرا وحسنات وَمن عمل شرا وسئيات لَقِي شرا وسيئات كَذَلِك من عمل غيا لَقِي غيا وَترك الصَّلَاة وَاتِّبَاع الشَّهَوَات غي يلقى صَاحبه غيا فَلهَذَا قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ كل شَرّ عِنْد الْعَرَب غي وكل خير رشاد كَمَا قيل فَمن يلق خيرا يحمد النَّاس أمرهومن يغولا يعْدم على الغي لائما وَقَالَ الزّجاج جَزَاؤُهُ غي لقَوْله يلق أثاما أَي مجازاة آثام وَفِي الحَدِيث الْمَأْثُور ان غيا وَاد فِي جَهَنَّم تستعيذ مِنْهُ أَوديتهَا وَهَذَا تَعْبِير عَن ملاقاة الشَّرّ وَقَالَ سُبْحَانَهُ أضاعوا الصَّلَاة وَاتبعُوا الشَّهَوَات فَإِن الصَّلَاة فِيهَا ارادة وَجه الله كَمَا قَالَ تَعَالَى وَلَا تطرد الَّذين يدعونَ رَبهم بِالْغَدَاةِ والعشي يُرِيدُونَ وَجهه أَي يصلونَ صَلَاة الْفجْر وَالْعصر والداعي يقْصد ربه ويريده فَتكون الْقُلُوب فِي هَذِه الْأَشْيَاء مريدة لِرَبِّهَا محبَّة لَهُ
1 / 11
اتِّبَاع الشَّهَوَات وَاتِّبَاع الشَّهَوَات هُوَ اتِّبَاع مَا تشتهيه النَّفس فَإِن الشَّهَوَات جمع شَهْوَة والشهوة هِيَ فِي الأَصْل مصدر وَيُسمى المشتهى شَهْوَة تَسْمِيَة للْمَفْعُول باسم الْمصدر قَالَ تَعَالَى وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات أَن تميلوا ميلاعظيما فَجعل التَّوْبَة فِي مُقَابلَة اتِّبَاع الشَّهَوَات فَإِنَّهُ يُرِيد أَن يَتُوب علينا أَي فَالله يحب لنا ذَلِك ويرضاه وَيَأْمُر بِهِ وَيُرِيد الَّذين يتبعُون الشَّهَوَات وهم الْغَاوُونَ أَن تميلوا ميلًا عَظِيما يعدل بكم عَن الصِّرَاط الْمُسْتَقيم الى اتِّبَاع الشَّهَوَات عُدُولًا عَظِيما فَإِن أصل الْميل الْعُدُول فَلَا بُد مِنْهُ للَّذين يتبعُون الشَّهَوَات كَمَا قَالَ ﷺ اسْتَقِيمُوا وَلنْ تُحْصُوا وَاعْلَمُوا أَن خير أَعمالكُم الصَّلَاة وَلَا يحافظ على الْوضُوء الا مُؤمن رَوَاهُ أَحْمد وَابْن مَاجَه من حَدِيث ثَوْبَان فَأخْبر أَنا لَا نطيق الاسْتقَامَة أَو ثَوَابهَا اذا استقمنا وَقَالَ وَلنْ تستطيعوا أَن تعدلوا بَين النِّسَاء وَلَو حرصتم فَلَا تميلوا كل الْميل فتذروها كالمعلقة فَقَوله كل الْميل أَي يُرِيد نِهَايَة الْميل يُرِيد الزيغ عَن الطَّرِيق والعدول عَن سَوَاء الصِّرَاط الى نِهَايَة الشَّرّ بل اذا بليت بذلك فتوسط وعد الى الطَّرِيق بِالتَّوْبَةِ كَمَا فِي الحَدِيث عَن النَّبِي صلى اله عَلَيْهِ وَسلم مثل الْمُؤمن كَمثل
1 / 12
الْفرس فِي آخيته يجول ثمَّ يرجع الى آخيته كَذَلِك الْمُؤمن يجول ثمَّ يرجع الى ربه قَالَ تَعَالَى وسارعوا الى مغْفرَة من ربكُم وجنة عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض أعدت لِلْمُتقين الى قَوْله وَنعم أجر العاملين فَلم يقل لَا يظْلمُونَ وَلَا يذنبون بل قَالَ اذا فعلوا فَاحِشَة أَو ظلمُوا أنفسهم أَي بذنب آخر غير الْفَاحِشَة فعطف الْعَام على الْخَاص كَمَا قَالَ مُوسَى رب اني ظلمت نَفسِي وَقَالَت بلقيس رب اني ظلمت نَفسِي وَقَالَ تَعَالَى عُمُوما عَن أهل الْقرى الْمهْلكَة وَمَا ظلمناهم وَلكم ظلمُوا أنفسهم فظلموا أنفسهم بارتكابهم مَا نهوا عَنهُ وبعصيانهم لأنبيائهم وبتركهم التَّوْبَة الى رَبهم وَقَوله تَعَالَى ذكرُوا الله فاستغفروا لذنوبهم وَلِهَذَا قَالَ وَالله يُرِيد أَن يَتُوب عَلَيْكُم ثمَّ قَالَ يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الانسان ضَعِيفا قَالَ مُجَاهِد وَغَيره يتبعُون الشَّهَوَات الزِّنَا وَقَالَ
1 / 13
ابْن زيد هم أهل الْبَاطِل وَقَالَ السّديّ هم الْيَهُود وَالنَّصَارَى والجميع حق فَإِنَّهُم قد يتبعُون الشَّهَوَات مَعَ الْكفْر وَقد يكون مَعَ الِاعْتِرَاف بِأَنَّهَا مَعْصِيّة ثمَّ ذكر أَنه خلق الانسان ضَعِيفا وَسِيَاق الْكَلَام يدل على أَنه ضيف عَن ترك الشَّهَوَات فَلَا بُد لَهُ من شَهْوَة مُبَاحَة يَسْتَغْنِي بهَا عَن الْمُحرمَة وَلِهَذَا قَالَ طَاوُوس وَمُقَاتِل ضَعِيف فِي قلَّة الصَّبْر عَن النِّسَاء وَقَالَ الزّجاج وَابْن كيسَان ضَعِيف الْعَزْم عَن قهر الْهوى وَقيل ضَعِيف فِي أصل الْخلقَة وَلِأَنَّهُ خلق من مَاء مهين يرْوى ذَلِك عَن الْحسن لَكِن لَا بُد أَن يُوجد مَعَ ذَلِك أَنه ضَعِيف عَن الصَّبْر يُنَاسب مَا ذكر فِي الْآيَة فانه قَالَ يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَهُوَ تسهيل التَّكْلِيف بِأَن يُبِيح لكم مَا تحتاجون اليه وَلَا تصبروا عَنهُ كَمَا أَبَاحَ نِكَاح الفتيات وَقد قَالَ قبل ذَلِك لمن خشِي الْعَنَت مِنْكُم وَأَن تصبروا خير لكم وَالله غَفُور رَحِيم فَهُوَ سُبْحَانَهُ مَعَ اباحته نِكَاح الاماء عِنْد عدم الطول وخشية الْعَنَت قَالَ وَأَن تصبروا خير لكم فَدلَّ ذَلِك على أَنه يُمكن الصَّبْر مَعَ خشيَة الْعَنَت وَأَنه لَيْسَ النِّكَاح كاباحة الْميتَة عِنْد المخمصة فَإِن ذَلِك لَا يُمكن الصَّبْر عَنهُ حكم الاستمناء وَكَذَلِكَ من أَبَاحَ الاستمناء عِنْد الضَّرُورَة فالصبر عَن الاستمناء أفضل فقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَن نِكَاح الاماء خير مِنْهُ وَهُوَ خير من
1 / 14
الزِّنَا فَإِذا كَانَ الصَّبْر عَن نِكَاح الاماء أفضل فَعَن الاستمناء بطرِيق الأولى أفضل لَا سِيمَا وَكثير من الْعلمَاء أَو أَكْثَرهم يجزمون بِتَحْرِيمِهِ مُطلقًا وَهُوَ أحد الْأَقْوَال فِي مَذْهَب أَحْمد وَاخْتَارَهُ ابْن عقيل فِي الْمُفْردَات وَالْمَشْهُور عَنهُ يَعْنِي عَن أَحْمد أَنه محرم الا اذا خشِي الْعَنَت وَالثَّالِث أَنه مَكْرُوه الا اذا خشِي الْعَنَت فَإِذا كَانَ الله قد قَالَ فِي نِكَاح الاماء وَأَن تصبروا خير لكم فَفِيهِ أولى وَذَلِكَ يدل على أَن الصَّبْر عَن كِلَاهُمَا مُمكن فَإِذا كَانَ قد أَبَاحَ مَا يُمكن الصَّبْر عَنهُ فَذَلِك لتسهيل التَّكْلِيف كَمَا قَالَ تَعَالَى يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الانسان ضَعِيفا والاستمناء لَا يُبَاح عِنْد أَكثر الْعلمَاء سلفا وخلفا سَوَاء خشِي الْعَنَت أَو لم يخْش ذَلِك وَكَلَام ابْن عَبَّاس وَمَا رُوِيَ عَن أَحْمد فِيهِ انما هُوَ لمن خشِي الْعَنَت وَهُوَ الزِّنَا واللواط خشيَة شَدِيدَة خَافَ على نَفسه من الْوُقُوع فِي ذَلِك فأبيح لَهُ ذَلِك لتكسير شدَّة عنته وشهوته وَأما من فعل ذَلِك تلذذا أَو تذكرا أَو عَادَة بِأَن يتَذَكَّر فِي حَال استمناءه صُورَة كَأَنَّهُ يُجَامِعهَا فَهَذَا كُله محرم لَا يَقُول بِهِ أَحْمد وَلَا غَيره وَقد أوجب فِيهِ بَعضهم الْحَد وَالصَّبْر عَن هَذَا من الْوَاجِبَات لابد من المستحبات وجوب الصَّبْر عَن الْمُحرمَات وَأما الصَّبْر عَن الْمُحرمَات فَوَاجِب وَإِن كَانَت النَّفس تشتهيها وتهواها قَالَ تَعَالَى وليستعفف الَّذين لَا يَجدونَ نِكَاحا حَتَّى يغنيهم الله من فَضله والاستعفاف هُوَ ترك الْمنْهِي عَنهُ كَمَا فِي الحَدِيث
1 / 15
الصَّحِيح عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ من يستعفف يعفه الله وَمن يسْتَغْن يغنه الله وَمن يتصبر يصبره الله وَمَا أعطي لأحد عَطاء خيرا وأوسع من الصَّبْر فالمستغني لَا يستشرف بِقَلْبِه والمستعف هُوَ الَّذِي لَا يسْأَل النَّاس بِلِسَانِهِ والمتصبر هُوَ الَّذِي لَا يتَكَلَّف الصَّبْر فَأخْبر أَنه من يتصبر يصبره الله وَهَذَا كَأَنَّهُ فِي سِيَاق الصَّبْر على الْفَاقَة بِأَن يصبر على مرَارَة الْحَاجة لَا يجزع مِمَّا ابْتُلِيَ بِهِ من الْفقر وَهُوَ الصَّبْر فِي البأساء وَالضَّرَّاء قَالَ تَعَالَى وَالصَّابِرِينَ فِي البأساء وَالضَّرَّاء وَحين الْبَأْس الصَّبْر على الْبلَاء وَالضَّرَّاء وَالْمَرَض وَهُوَ الصَّبْر على مَا ابْتُلِيَ بِهِ من حَاجَة وَمرض وَخَوف وَالصَّبْر على مَا ابْتُلِيَ بِهِ بِاخْتِيَارِهِ كالجهاد فَإِن الصَّبْر عَلَيْهِ أفضل من الصَّبْر على الْمَرَض الَّذِي يبتلى بِهِ بِغَيْر اخْتِيَاره وَلذَلِك اذا ابْتُلِيَ بالعنت فِي الْجِهَاد فالصبر على ذَلِك أفضل من الصَّبْر عَلَيْهِ فِي بَلَده لِأَن هَذَا الصَّبْر من تَمام الْجِهَاد وَكَذَلِكَ لَو ابْتُلِيَ فِي الْجِهَاد بفاقة أَو مرض حصل بِسَبَبِهِ كَانَ الصَّبْر عَلَيْهِ أفضل كَمَا قد بسط هَذَا فِي مَوَاضِع
1 / 16
الصَّبْر على الطَّاعَات وَكَذَلِكَ مَا يُؤْذِي الانسان بِهِ فِي فعله للطاعات كَالصَّلَاةِ وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَطلب الْعلم من المصائب فصبره عَلَيْهَا أفضل من صبره على مَا ابْتُلِيَ بِهِ بِدُونِ ذَلِك وَكَذَلِكَ اذا دَعَتْهُ نَفسه الى مُحرمَات من رئاسة وَأخذ مَال وَفعل فَاحِشَة كَانَ صبره عَنهُ أفضل من صبره على مَا هُوَ دون ذَلِك فَإِن أَعمال الْبر كلما عظمت كَانَ الصَّبْر عَلَيْهَا أعظم مِمَّا دونهمَا فَإِن فِي الْعلم والامارة وَالْجهَاد وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَالصَّلَاة وَالْحج وَالصَّوْم وَالزَّكَاة من الْفِتَن النفسية وَغَيرهَا مَا لَيْسَ فِي غَيرهَا ويعرض فِي ذَلِك ميل النَّفس الى الرِّئَاسَة وَالْمَال والصور فَإِذا كَانَت النَّفس غير قادرة على ذَلِك لم تطمع فِيهِ كَمَا تطمع مَعَ الْقُدْرَة فَإِنَّهَا مَعَ الْقُدْرَة تطلب تِلْكَ الْأُمُور الْمُحرمَة بِخِلَاف حَالهَا بِدُونِ الْقُدْرَة فَإِن الصَّبْر مَعَ الْقُدْرَة جِهَاد بل هُوَ من أفضل الْجِهَاد وأكمل من ثَلَاثَة أوجه أَحدهمَا أَن الصَّبْر عَن الْمُحرمَات أفضل من الصَّبْر على المصائب الثَّانِي أَن ترك الْمُحرمَات مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهَا وَطلب النَّفس لَهَا أفضل من تَركهَا بِدُونِ ذَلِك الثَّالِث أَن طلب النَّفس لَهَا اذا كَانَ بِسَبَب أَمر ديني كمن خرج لصَلَاة أَو طلب علم أَو جِهَاد فابتلي بِمَا يمِيل اليه من ذَلِك فَإِن صبره عَن ذَلِك يتَضَمَّن فعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور بِخِلَاف مَا اذا مَالَتْ نَفسه الى ذَلِك بِدُونِ عمل صَالح وَلِهَذَا كَانَ يُونُس بن عبيد يُوصي بِثَلَاث
1 / 17
يَقُول لَا تدخل على سُلْطَان وَإِن قلت آمره بِطَاعَة الله وَلَا تدخل على امْرَأَة وَإِن قلت أعلمها كتاب الله وَلَا تصنع أُذُنك الى صَاحب بِدعَة وان قلت أرد عَلَيْهِ فَأمره بالاحتراز من أَسبَاب الْفِتْنَة فَإِن الانسان اذا تعرض لذَلِك فقد يفتتن وَلَا يسلم فَإِذا قدر أَنه ابْتُلِيَ بذلك بِغَيْر اخْتِيَاره أَو دخل فِيهِ بِاخْتِيَارِهِ وابتلي فَعَلَيهِ أَن يَتَّقِي الله ويصبر ويخلص ويجاهد وَصَبره على ذَلِك وسلامته مَعَ قِيَامه بِالْوَاجِبِ من أفضل الْأَعْمَال كمن تولى ولَايَة وَعدل فِيهَا أَو رد على أَصْحَاب الْبدع بِالسنةِ الْمَحْضَة وَلم يتفنوه أَو علم النِّسَاء الدّين على الْوَجْه الْمَشْرُوع من غير فتْنَة الِابْتِلَاء لَكِن الله اذا ابتلى العَبْد وَقدر عَلَيْهِ أَعَانَهُ واذا تعرض العَبْد بِنَفسِهِ الى الْبلَاء وَكله الله الى نَفسه كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ لعبد الرَّحْمَن بن سَمُرَة لَا تسْأَل الامارة فَإنَّك ان أعطيتهَا عَن مَسْأَلَة وكلت اليها وَإِن أعطيتهَا عَن غير مَسْأَلَة أعنت عَلَيْهَا وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الطَّاعُون اذا بِبَلَد وَأَنْتُم بهَا فَلَا تخْرجُوا فِرَارًا مِنْهُ واذا سَمِعْتُمْ بِهِ
1 / 18