181

ولما صارت آمل وسارى وطبرستان للأمير الشهيد توجه من هناك إلى غزنين، فلما وصل إلى نيشاپور قدم المتظلمون واشتكوا من التركمان، فجلس الأمير الشهيد مع الوزراء والندماء والقواد وفكروا فى أمر التركمان وقال: لقد عم الفساد أخلاقهم، وزادت وقاحتهم. فأدلى كل شخص برأيه، فقال الحاجب بكتغدى: إن فناء هؤلاء كثير على قائد واحد لو أرسلته لهذا الأمر، لكن علاج هذا واجب حتى يتم هذا العمل. فقال الأمير الشهيد لبكتغدى: يجب أن يكون لك هذا الأمر، ويجب أن يكون معك حسين بن على بن ميكائيل، ثم أرسلهم وأرسل معهم جيشا كثيرا من الهنود والأكراد والعرب والترك، وزودهم بالعتاد وفيلة الحرب الجيدة، وذهبوا من نيشاپور، وتقدموا إلى طوس، ومن هناك توجهوا إلى نسا، ولما وصلوا إلى مكان يسمونه سپندانقان 75 قدمت رسل التركمان وأحضروا رسالتهم إلى بكتغدى (وقالوا فيها): نحن عبيد طائعون، فإذا كنتم تقبلوننا وتعينون لنا مرعى فسوف نكف أيدينا عن هذه الأعمال، ولن يلحق إنسان منا أذى. فصاح بكتغدى فى الرسول وأغلظ له القول وقال له: بيننا وبينكم السيف، فإذا كنتم طائعون مذعنون للأمر فأرسلوا رسولكم إلى السلطان مسعود واعتذروا له، وائتوا إلينا برسالة حتى نترككم وإلا فلن نرتد عنكم بأى حال. وأعاد بكتغدى الرسول، وعبأ الجيش، فأعطى الميمنة لفتگين الخازن، والميسرة لپير الحاجب، أما هو فوقف فى القلب، وأرسل الفرقة العربية فى طلائع الجيش من خمسمائة من الفرسان كانوا من أصل عربى، وحينما وصلت الفرقة العربية إلى ماررنى 76 ظفروا على طلائع التركمان، وقتلوا الكثير منهم، وهزم التركمان، وذهب جيش بكتغدى فى أثرهم حتى (وصلوا) إلى خزائنهم وأمتعتهم وأغاروا عليها ونهبوها، وغنموا أموالا كثيرة، وأخرجوا الدواب والأثاث، ثم رجعوا إلى المعسكر لضيق هذا المكان.

وفى هذا الوقت كان معظم جيش بكتغدى غائبا؛ إذ قد شغل بالهجوم أو بالغنائم، ولما وصل الخبر إلى داود التركمانى 77 خرج بجيش لجب من مضائق الجبال واستقر فى مواجهة الجيش، واصطفت الصفوف، وحاربوا يومين وليلتين، وانتصر التركمان، فقال بكتغدى لحسين بن على بن ميكائيل : ليس هناك مجال للصمود، فقال حسين الرئيس: لن أمثل مهزوما بأى حال أمام الأمير، إما أن أنتصر وإما أن أقتل، وأدار بكتغدى ظهره وفر هاربا، ولكن حسينا صمد وظل يحارب حتى فر جيشه جميعه وبقى وحده فدخل التركمان وأحاطوا فيله، وأنزلوه من فوقه، وأرادوا أن يقتلوه فعلم داود فأرسل حتى لا يقتلوه، وساقوه إليه، وصفدوا يديه ورجليه بالأغلال، وحبسوه (فى خيمة)، وعينوا عدة من التركمان حراسا عليه، وظل عندهم حتى الآن، ورجع بكتغدى، وقدم إلى الأمير الشهيد فضاق صدر الأمير، ولم يستطع المقام لما كان معه من الرهائن وأسرى الديالمة، وقدم إلى غزنين وأحضر الأسرى وأرسلهم إلى القلاع والمدن فى شهر رمضان سنة ست وعشرين وأربعمائة.

Page 280