ثم وضعت وجهها بين كفيها واستخرطت في البكاء.
فهدأ أبرهة واقترب منها، وجعل يمسح رأسها ويفرق بأصابعه خصل شعرها الغزير الأسود. ثم قال: لا عليك يا ريحانة، قطعت يد امتدت إليك بسوء. وهل تمتد يدي إليك بغير الحب والإجلال؟ إنك تزينين ملكي، ولك علي الفضل في عشرين عاما من حياتي. أنت تعلمين ما أضمره لك في قلبي، أأغضبتك كلمة فهت بها عفوا ولم أقصد بها ما فهمت منها؟
فقالت ريحانة وهي أهدأ: أكنت حقا تحب أن يشهد قومي موكبك؟
فقال أبرهة: أما قلت إنها أمنية حمقاء؟ هزني طربي فقلت الكلمة كأنني ألقي بها تحية إليك. هبيها كلمة ذهبت في الهواء لا تقدم ولا تؤخر شيئا.
فقالت ريحانة: ولم أفعل سوى أن قلت كلمة. وهل كنت لأملك نفسي من لوعة الذكرى؟ أغيرة من الموتى؟ أغيرة من خيال؟
فقال أبرهة في رقة: ما بي من غيرة ولا غضب. إنك أعز الناس عندي وأقربهم إلى قلبي، بل إنك صاحبة الفضل علي؛ لأنك أدخلت إلى قلبي رقة لم أعرفها قبل أن أراك. منذ رأيتك تفتح قلبي كأنه كان في ظلمة ثم دخله النور. لست أكذب إذا قلت إنني كنت أقصد بكلمتي غير ما فهمت منها، فلو رأيت قومك اليوم لفتحت لهم ذراعي مرحبا وقلت إنهم أهلي. بل لست أكذب إذا عدت إلى الماضي قليلا يوم رأيتك، فلقد وددت في ذلك اليوم البعيد عندما وقع بصري عليك لو لم يكن بيني وبين قومك عداوة، وددت صادقا لو رضي ذو يزن بالعودة إلى صنعاء، فأردك إلى بيته زوجة له كما كنت، ولا أمد إليك يدا. لست أدري كيف أدخلت السلام إلى قلبي منذ رأيتك، لم أنظر إليك كامرأة أريد أن أتخذها لنفسي، بل كنت في نظري ملاكا يوحي إلي بالسلام. ولو رضي ذو يزن أن يعود إلى صنعاء لجعلته أقرب سادة اليمن إلى مجلسي، ولكنه أبى، وآثر أن يخرج هائما في الأرض يلتمس المعونة ليعاود قتالي. فهل فعلت أكثر مما كان ينبغي لي؟ اتخذتك زوجة، وجعلت ولدك ولدي، وسميته باسمي، ولم أعاتبك يوما على ما سمعته منك وأنت ترددين على مسمع مني كل ما تدفعك إليه ثورتك، ولكني لم أكره يوما بعد أن أحببت. ترفقي بنفسك وكفي عن هذا البكاء، ولا تعكري علي صفاء هذا اليوم. لا تذرفي هذه الدموع الحزينة، فإني ذاهب غدا إلى حرب لست أدري ما يخبئ لي القضاء فيها.
فقالت ريحانة وهي تجفف دمعها: لست أدري أنا ما يخبئ لي القضاء.
فقال: لقد طالما ندمت على هذه الضحكات التي تنطلق مني وتلك الكلمات التي ينفجر بها لساني أحيانا، ولو استطعت أن أزيل عنك آلامك بأن أحملها عنك لما أحسست منها ألما. سأمضي إلى الحرب غدا، ولا يداخلك هم فإنها رحلة خريف قصيرة، وسوف أعود منها منصورا، وأمد ملكي إلى حدود الشام وأصافح ملك صديقي قيصر. وسوف أقسم البلاد فأجعل لسيف ولدك شطرا منها، ولن يعرفه الناس إلا سيف بن أبرهة. أيكون هذا اعتذارا من خطئي؟ أيرد هذا حق ولدك إليه ويرضي قلبك عني؟
فقالت ريحانة متهافتة: أتفعل حقا؟
ومرت صورة ولدها في ذهنها كما يمر شعاع مضيء في حجرة مظلمة.
Unknown page