بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حمد عبدٍ بخطئه معترف، ومن فيض فضل ربه مغترف، وأصلي وأسلم على أشرف الخلق، سيدنا محمد الرسول المختار، إمام المقربين والأبرار، وعلى آله وأصحابه السادة الأطهار، ما نزل ركبٌ ثم سار.
أما بعد: فإنه لما استخرت الله تعالى لتأليف هذا الكتاب المسمى "أنس الملا بوحش الفلا" ضمنته كيفية الصيد وما يحل منه وما يحرم وما يتعلق بذلك جملةً وتفصيلًا، استخرجته من صدف الجواهر لمطالعة كل وجه زاهر، وفيه فوايد جمّة مخبوءة لكل ذي همة، واختصرته لئلا يسأم من طالعه. ويسلم ممن نازعه. ولعل لم يسبقني لهذا التأليف إلا السابق، فأكون إذن من مصلٍّ لاحق؛ فالله يجعل تأليفي له خالصًا، لوجهه الكريم، وأنا أبرأ من الحول والقوة، وأسأل الله من فضله المنة والمَنّة وهو حسبي ونعم الوكيل.
ويفتتح الآن بذكر الأبواب، بعون الكريم التواب
باب
في بيان ما يحل من الصيد وما يحرم، وبيان شرط التذكية على مذهب الإمام أبي حنيفة ﵀.
قال الله تعالى: (يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه)
التفسير
الطيبات: الذبائح، الجوارح، الكواسب: وهو ما يصطاد من الطير والكلب وغيرها، مكلبين، معلمين، وبفتح اللام، أصحاب الكلاب، وهي قراءة شاذة، تعلمونهن، تؤدبونهن. مما علمكم الله أي أدبكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم، أي مما أمسكن لكم، واذكروا اسم الله عليه أي حين الإرسال معًا، وحين الذكاة.
وسبب نزول هذه الآية أن عدي بن حاتم، وزيد بن المهلل الطائين. آتيا النبي صلى الله عليه وسلم، فقالا: يا رسول الله، إنا قومٌ نصيد بالكلاب والبزاة، وإن كلاب أبي زرع وآل أبي جرير تأخذ البقر والحمير والظباء والضب، فمنه ما يدرك ذكاته، ومن ما يقتل فلا يدرك ذكاته، وقد حرّم الله الميتة، فماذا يحل لنا منها؟ منزلت الآية، وما يحل أكله من الصيد وما لا يحل فهو المتوحش الممتنع بقوائمه أو بريشه، والمأكول ٢ بمنه من أطيب الأرزاق ولحله شرائط، فالأول: تعليم مكلب متسلط عليه إن كان بالجوارح، وتعليم الكلب والفهد ونحوهما بأن يترك الأكل ثلاثًا عند أبي يوسف ومحمد والإمام في رواية، وفي أخرى فوّضه إلى الصائد الخبير، فإن غلب على ظنه أنه صار معلمًا حكم بتعليمه وإلا فلا.
وتعليم البازي بأن يرجع ويجيب إذا دعاه، ولا بأس بصيد كل معلم من ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، ولا خير فيما سوى ذلك إلا أن يدرك ذكاته، واستثنى الشافعي غير ما اعتيد تعليمه، وأبو يوسف، الأسد والدب وبعضهم الحدأة والإجماع الخنزير.
والثاني: الإمساك على صاحبه حتى لو أكل الكلب ونحوه قبل أن يأخذه مالكه (م) لم يؤكل، بخلاف البازي فإن شرب دمه لا غير أكل، فإن أدرك صيدًا فقطع بعضه وأكله، ثم أدرك صيدًا آخر فقتله، ولم يأكل منه لم يؤكل. بخلاف ما لو أخرّ أكل ذلك البعض، فإن انتهت منه قطعة بعدما أمسكه لصاحبه أكل، وبعد ما حكم بتعليمه لم يؤكل ما أكل منه، ولا ما يصيد بعده حتى يصير معلمًا ثانيًا، ولا ما صاده قبل ذلك إن كان في الفلاة أو أحرزه خلافًا لهما، فإن فرّ البازي فمكث حينًا، ولم يجب داعيه ثم صاد لم يؤكل.

1 / 1

والثالث: الإرسال على صيد عاينه أو ظنه بالحس مأكولًا كان أو لا فأصاب مأكول اللحم أكل. وخص أبو يوسف الخنزير، وزفر ما لا يؤكل لحمه، فإن تبين أنه حس آدمي أو أهلي ونحوه لا يحل المصاب، فإن اشتبه وكان طائرًا أحل الصيد لا إن اشتبه عليه أنه غير ناوٍ أو لا، فإن ظنه آدمي فإذا هو صيد قد أصابه حل. ولا يشترط تعيين الصيد بالإشارة حتى ولو أرسل كلبه على صيد فأخذه غيره حل. فإن أرسل فهدًا فكمن حتى استمكن ثم أخذ الصيد فقتله أكل، وكذا إذا اعتاد الكلب عادته ولو أخذ صيودًا بإرسال واحد أكلت إلا إن جثم عن الأول طويلًا ثم مرّ به صيدًا آخر فقتله، وكذا البازي إن وقع على شيء ثم اتبع الصيد فقتله أكل، إلا إن مكث طويلًا للاستراحة، فإن أخذ بازي معلم صيدًا ولم ٣ أيدر أرسل أم لا لم يؤكل، فإن أرسل المسلم كلب فأشلاه مجوسي أو مرتد أو محرم أو تارك التسمية عامدًا فجدّ في طلبه فلا بأس بصيده، فإن كان بالعكس لم يؤكل (فإن لم يرسل فأشلاه مسلم وسمى فأخذ الصيد فلا بأس بأكله)، فإن وقذه كلب مسلم وقتله كلب آخر أكل وهو الأول، وإن أدرك الصيد حيًا وجبت تذكيته إن تمكن منها، حتى لو تركها ومات لم يؤكل، فإن لم يتمكن منها وفيه من الحياة ما فوق ما يكون في المذبوح لم يؤكل في الظاهر، وعن السيخين، (وهما أبو يوسف ومحمد) يؤكل، سواء كان التأخير لفقد آلة أو لضيق وقت. فإن لم يكن فيه حياة مستقرة عند الإدراك فذكاته الذبح عند الإمام وقالا: لا يحتاج إليه.
والرابع: التسمية، فإذا سمى الله تعالى عند الإرسال أو لرمي أكل الصيد، فإن أرسل أو رمى ثم سمى لم يحل، فإن تعمّد تركها لم يؤكل بخلاف ما لو نسي.
والخامس: أن لا يتوارى عن بصره أو لا يقعد عن طلبه، ويشتغل بعمل آخر حتى وضع السهم بالصيد، فتحامل حتى غاب عنه ولم يزل في طلبه، فأصابه أكل إلا إذا قعد عن طلبه ثم أصابه ميتًا، فإن وجد فيه جراحة بغير سهم لم يحل بخلاف نهش الهوام، وكذا في إرسال الكلب ونحوه، ويشترط أن يكون السهم جارحًا حتى لو أصاب المعراض بعرضه لم يؤكل، وإن جرح أكل. ولا يؤكل مصاب بندقة وحجر غير حاد وعصا لا تبضع إن مات بها.
فإن كان الموت مضافًا إلى جرح حادًا كان ولا معتبر بالإدماء في الجرح، واشترطه بعضهم مطلقًا، وبعضهم في الجرح الصغير لا الكبير وكذا في الذبح، فإن أصاب السهم ظلف الصيد أو قرنه حل إن أدماه وإلا فلا، فإن رمى صيدًا فوقع في الماء فاختنق أو على سطحٍ أو شجرةٍ أو جبلٍ ثم تردى فمات لم يؤكل، وكذا، إن وقع على محدد الخلاف ما لو وقع على الأرض ابتداءً، فإن كان الطير مايتًا، والجراحة لم تنغمس في الماء أُكل لا إن انغمست. ولا تؤكل النطيحة، ولا ما أكل السبع بعضه إلا إن ذكَي، ولا ما شارك المعلم فيه غيره أو كلب لم يذكر اسم الله عليه، فإن رمى صيدًا فقطع عضوًا منه أكل الصيد لا المبان سواء كان يدًا أو رجلًا ٣ بأو ثلثه مما يلي القوائم أو أقل من نصف الرأس، فإن لم يبن ذلك حل أن أمكن الالتيام وإلا فلا، فإن قدّة نصفين أو قطعه أثلاثًا والأكبر مما يلي العجز أو قطع نصف رأسه أو أكثر منه أكلًا.

1 / 2

والصيد لمن أخرجه من حيز الامتناع فإن أثخنه واحدٌ، ولكن بمثابة ينجو وقتله آخر لم يؤكل، ويضمن قيمته للأول غير ما نقصته جراحته، وإن لم يثخنه الأول فهو لمن قتله ويؤكل، فإن كانت رمية الأول بحال لا يعيش منه الصيد حل، فإن كان فيه من الحياة ما يعيش يومًا لم يحرم عند أبي يوسف بالرمية الثانية خلافًا لمحمد، فإن علم أن الموت حصل من الجراحتين أو جهل ضمن الثاني ما نقصته جراحته ثم يضمن نصف قيمته مجروحًا ثم قيمته نصف لحمه، فإن رماه الأول ثانيًا فهو في حكم الإباحة كغيره، وكذا في الإرسال إن كان الثاني سابقًا كلبه بعد الإرسال، فإن عقره كلب الثاني بدون السوق من جهة لم يضمن. والملك والحل يثبت بمجرد الإرسال بدون السوق، وإن أرسله الثاني قبل إصابة الأول فالصيد لأولهما إصابة ويحل، وإن أصابه الثاني بعد إصابة الأول، فإن أصابه الأول ولم يثخنه حتى أصابه الثاني وعقره فهو بينهما لاشتراكهما في الأخذ. فإن أدركه الأول في المسألة الأولى، "وعلى الثاني نقصان الجناح الثاني، فإن أدركه ولم يذبحه فهو ميتة"، وعلى الثاني نصف قيمته حيًا مكسور الجناحين، وكذا إن لم يتمكن من ذبحه في ظاهر الرواية، فإن كانت رمية الأول بحال لا يعيش منها الصيد حل، فإن رميا معًا أو على التعاقب فأصابه أحدهما فأثخنه ثم أصاب الآخر فالصيد للأول (أي الذي أثخنه) سواء كان أولًا في الرمي أو آخرًا ويحل.
ولا ضمان على الثاني. وإن أصاباه معًا حل وهو لهما حل، وكذا في إرسال الكلب مطلقًا والبازي إلا إن أصابه الأول بدون السوق فإنه يضمن الثاني.
ويشترط في الكلب السوق لوجوب الضمان، فإن أخذ بازي المرسل الأول الصيد وأمسكه بمخلبه ولم يثخنه، فأخذه بازي المرسل الثاني وقتله فهو للثاني، فإن رمى مسلم سهمًا أو بندقية ونحوهما إلى صيد فدفع سهمًا موضوعًا ٤ أعلى حائط إلى صيد فقتله حلّ.
فإن رميا فأمضا السهم الثاني الأول إلى الصيد وقتله جرحًا فهو للأول، إن علم أن سهمه كان بحيث يبلغ الصيد بدون الثاني، وإلا فللثاني ويحل إلا إن كان الثاني محرمًا أو مجوسيًا في الاستحسان.
فائدة
فإن رد سهم المجوسي سهم المسلم عن سننه فهو صيد المجوسي، وإلا فصيد المسلم، فإن اقتتل الصيد من سهم مجوسي أو كلبه فقتله مسلم بسهمه، أو كلبه طاب أكله إن كان بعد وقوع سهو المجوسي على الأرض أو رجوع كلبه عنه وإلا فيكره. فإن ضرب الريح سهمًا رماه إلى صيد عن سننه يمنةً أو يسرةً فقتل صيدًا آخر لم يؤكل. فإن أماله من غير أن يرده عن سننه فلا بأس به، وأما الصيود فيؤكل من ذوات الأربع ما ليس له ناب كالأرنب والحمار والبقر الوحشيين والظبي والغزال وغنم الجبل ومعزه. ومن الطير ما ليس له مخلب، كالدجاج والحجل واليمام والحمام والإوز والبط وغراب الزرع والعصافير ولا بأس بالخطاف والقمري والسوداني والزرزور والفاختة والجارد. وكره أبو يوسف العقعق ويكره الهدهد والحبارى والقنابر والصرّد والصوام والشقراق والطاوس.
وإنما يحل من صيد البحر، طير الماء والسمك مطلقًا، وأحل الشافعي منه ما يحل نظيره في البر وله في الضفدع قولان، ومذهب أبي يوسف وأبي حنيفة، إن الصايد إذا قتل ولم يجرح فليس الصيد يذكى والشافعي يجيز ذلك.
فإن ابتلعت سمكة أخرى أكلتا، فإن وجدت طافية على الماء أو كان فيه أقل من نصفها لم تؤكل، فإن وجدت على شاطئ نهر ألقيت في الماء، فإن طافت على ظهرها لم تؤكل، وإن طافت على وجهها أكلت، ويحرم كل ذي ناب من السباع كالأسد والنمر والسياهكوش والفهد والضبع والثعلب والكلب والسنور الأهلي والوحشي والفنك والسمور والدلق والدب والطبز والقرد والضب وابن آوى والفيل والخنزير والخفاش وكل ذي مخلب من الطير كالصقر والبازي والنسر والعقاب والباشق والشاهين ونحوها، والغراب والنعاب والحدأة والبوم، وكل الهوام كالفأرة والوزغة وسام أبرص والقنفذ والضفدع والسلحفاة ٤ بوالسرطان والخنافس وكل ما ليس له دم سائل كالزنبور والقمل والبرغوث والذباب والبعوض والقراد والدود والحية والعقرب، وكل ما يأكل الجيف كالرخّم والغراب الأبقع والجلالة النتن لحمها.
والذكاة شرط الحل، فيؤكل ذبيحة مسلم لم يعتمد ترك التسمية وتعلقهما.
وكتابي كذلك ولو حربي ... وتغلبي لا يعلم الكتاب إلا أماني

1 / 3

إلا أن أهله لغير الله لا مجوسي ومرتد ووثني ومحرم من صيد، والتسمية بسم الله والله أكبر، وكره بسم الله، محمد رسول الله، ومحمدٍ بالكسر، والذكاة ما بين اللّبة واللحيين، فيقطع الحلقوم والمرى والودجين واكتفيا بقطع أحدهما، والإمام بقطع أكثرهما عددًا وإفرادًا في روايتهما، ويجوز بما ينهر الدم ولو بقرن وسن منزوعين، وكره التعذيب بقطع الرأس والنخاع والجر إلى المذبح، وكسر العنق والسلخ حالة الاضطراب والضرب على القفا، وذكاة المستأنس الذبح، والمتوحش من الغنم خارج المصر وغيره مطلقًا العقر.
ويستحب في الإبل النحر والبقر والغنم الذبح، وكره تعليم البازي بطير حي لا مذبوح ويذبح مأكول قطع عضوًا منه ولا يعالج وبالعكس في غير المأكول.
باب
في آداب القانص وما يعتمده ينبغي أن لا يركب القانص فرسه إلا على طهارة كاملة، وحين الصيد يتأدب مع من هو أسنّ منه أو أعلى رتبة دينية أو دنياوية كالأمراء، لأن حرمتهم من جزيئات حرمة الملك. وذلك بأن لا يطرد صيدًا تعرض إليه كبير أو ركض خلفه فيزاحمه ويرمي الصيد قبل الكبير إلا اللهم إن أذن له الكبير لاحتمال كلال فرسه، ولئلا يفوت الصيد فحينئذٍ يتعين الركض خلف ذلك الصيد، ويتوقى حين الصيد حسم مادة السفهاء والفجار والمتشبهين بالشجعان، والفرق بين الفجرة والشجعان ظاهر يعلمه أصحاب التجارب والمتوسمين.
قال الإمام فخر الدين الرازي في كتابه الفراسة: إذا علمنا في الإنسان كونه وقحًا، فعلم إنه لص نذل. أما اللصوصية فلأنها تابعة للقحة، وأما لنذالة فلأنها تابعة لعدم الحرية. والوقاحة دالة حلى حصولها، قال الشاعر يصف لشجعان:
وجوهٌ كأكباد المحبينَ رقةً ... ولكنها يوم اللقاء صخورُ
ومن هذا الباب، ما قاله أمير المؤمنين علي كرم اله وجهه: "من لانت أسافله صلبت أعاليه". هذا آخر كلام الشيخ فخر الدين ﵀.
وخرج عن المقصود، فإن ذكرها ولا ظلمة في القلوب.
قال محمد بن منكلي، ستره الله بستره في الدنيا والآخرة: ومن جملة آداب المتصيد إن رمى إنسان بسهم على صيد فلا يرمي معه إلا إذا فات سهمه ولم يصب الصيد. فقد سمع من فاجر قولًا قبيحًا إن رامٍ أصاب صيدًا فنسبه (الفاجر) إلى نفسه، وكان السهم يشبه السهم في التريش والنصل.
قال محمد بن منكلي: سمعت الشيخ ﵀ يقول: ينبغي للجندي إذا كانت قوسه لينة أن يريش سهمه من ريش ذنب العقاب، وإذا كانت قوسه صلبة ريّش سهمه من ريش ذنب النسر، وهذه من النكت الظريفة.
ومن آداب المتصيد أن يستصحب معه الملح والزناد والأشنان والخلال والسفود الحديد لشي اللحم، فلقد رأيت من أخذ من تركاشه سهمًا وأبراه وشوى فيه اللحم، وأخطأ وبالله التوفيق.
سمعت من الأمير بدر الدين أمير مسعود مشافهة، ونحن بالغور، أن بعض التركمان أصاب صيدًا فأراد أن يشوي من لحمه فقطع قضيبًا من الدّفلى وشوى اللحم وأكل فمات من سريان سميّة القضيب في اللحم، وذكر هذه الحكاية من النصائح.
ومنهم من إذا أكل اللحم مسح يديه في خفه كالتتار، وهذا من أقبح ما يكون لو لم يكن تشبهًا بالمجوس.
ومن الأدب اتخاذ المبرد والمطرقة لإصلاح نصال السهم، ورأيت في سرج لجندي لبق سندانًا صغيرًا مؤبدًا في أعلى قربوس سرجه ليصلح عليه سهامه بالتطريق فأعجبني ذلك منه، وشكرته.
ومن آداب صاحب القنص اتخاذ سكينتين حادتين للذبح، وثالثة للسلخ.
ومن فوائد اتخاذ السكينتين لربما ذبح صيده فانكسري السكين قبل إتمام الذكاة فتصير ذبيحته إذ ذاك ميتة، وطريقه في تحليل صيده إذا انكسرت سكينه أن يضع حرف يده مكان السكين المنكسرة ليؤتى بسكين غيرها، ويتم تذكيته.
ومن أدبه أن يكون معه فطرقان غير ما في سرجه وثيقان لشد صيده إذا ذبحه يشده على كفل فرسه، ولا يتكل على فطرق الغلام وبضع الكبر، فإن كل جندي متكبر ناقص الهمة، ولن يصلح الكبر لعاقل، والكفار يذمون من تكبر منهم.
ومن آداب الصائد، اتخاذ القوس الجيد والسهام الجيدة ويجتنب خشب القوق والصنوبر إلا ما غلظ فإن رق فلا خير فيه، خصوصًا في زمن الصيف وقوة القوس.

1 / 4

ومن آداب الجندي في الصيد اتخاذ قوسين أو ثلاثة بحسب المكنة لا عادةً أو إذا ارتخت قوسه تناول غيرها، ولا يستصحب وتر المصران ولا وتر الجلود فإنه رديء، والتتار وغيرهم يستعملونه للعدم ولا يخرج سهمه كما ينبغي.
ويجب على المتصيد افتقاد أفواق سهامه قبل حركة الصيد، وافتقاد قوسه وجميع الآته.
ومن أدبه، تعليمه إذا انكسرت قوسه إما من مقبضها أو من سيتها أو من أحد بينها بأن يكون كسرها قريب السية ومتى انكسرت بعيدًا من السية فليس فيها حيلة أن يصلحها على تقدير نصف ساعة أو أقل من ذلك، ويركب فرسه ويرمي أسوة رفقته على الصيد، وإلا يصير بطالًا خجلًا، ويمكن ذلك أيضًا في الحرب إذا بعد عن المعركة، وتوارى وأصلح قوسه وركب فرسه وتقدم للمعركة وقاتل، وكأنّ قائلًا يقول: كيف يصلح قوسه في هذا الزمن اليسير ويرمي عنها؟ فالجواب عن ذلك، أن هذه النكتة يعرفها أصحابنا الأجناد الذين عم أجناد على الحقيقة المشتغلين بما هم بصدد ما يلزمهم من صناعتهم على الإطلاق، أثابهم الله، وهذه النكتة يعسر ذكرها ويطول ولا يكاد يفهم إلا ما مشافهة، وهي هينة.
ومن الآداب المحتاج إليها الصائد، اتخاذ الفرس المتريض الجاري الخفيف، إذ الفرس هو عمدة الجندي.
ومن آداب الجندي المتصيد اتخاذ فرسين أحدهما جارٍ للبعد، والآخر خفيف جارٍ للقرب إذ كل منهما له موطن يركض فيه، فالفرس الجاري للبعد فلطلب الحمر الوحشية والغزال الذي له النفس الطويل بحسب بلاده ووطنه كالمصريات، لأنها أشد عدوًا أي جريًا، وقد ذكر أن غزال مصر ناقص ضلعًا عن غيره.
ولحم غزال الشام أطيب لحمًا لكثرة المراعي وما أشبهها، وأما الغزال المتعوب بطرد الكلاب والخيل والأماكن الرملة فكل فرس مستريح يأخذه ولا اعتبار بهذا الفرس، والفرس الحاد جيد للمسابقة والصولجان وطلب بقر الوحش والغزال الخانس إذا هو أثير، وما كل رامٍ يحسن أن يفوق سهمه حين خروج الفرس الحاد الشديد الجري، خصوصًا إذا كانت سرجه ضيقة قائمة المؤخرة، فبئس هذه السروج، وقد فشت في الديار المصرية استخرجها العجم، وأخطؤوا ولو علموا مفسدتها لم يعملوها وهي جيدة للخرج والمجاذبة على الخيل، ولعمري أن الفارس الجيد غني عنها، ولقد عددت فيها مساوئٍ عدة سبعة أذكرها منها: إتعاب المسافر، ومنها تعويق المستلقي حين وصول سنان رمح الخصم إليه، فإنه إذا استلقى قصر الرمح وردّه إما بمقرعته أو بيده أو بسيفه أو بخنجره، ومنها إذا عبر في مكان قصير كباب منعته الاستلقاء ومنها تشويش على الرامي إذا رمى وهو سابق، وكان سرجه ضيقًا، فإن الرامي إذا رمى وفرسه جارٍ فلابدّ وأن يتأخر في سرجه، ويقدم رجليه في الركاب هذا لابدّ منه، ومنها أنها تعوقه إذا نزل من خلف ذنب الفرس لتوقع أمور تحدث للفارس، وقد اتفق لي ذلك في وقت لكن كانت مؤخرة سرجي لاطية كسروج لقدماء، والسرج عندي الآن. ومنها إذا جاء فارس يطلب خصمه من خلفه، وكان سرج المطلوب منتصب المؤخرة فاستخرج رجله من الركاب وركزها في المؤخرة المنتصبة وجذب خصمه فإنه يستقلعه إذا كان غير درب.
وفي الجملة فإنها تعين الجاذب إذا ركز رجله في مؤخرة خصمه المنتصبة، ومنها ربما يحتاج الفارس حين ركضه لرمي القبق أو طائر في الجو لاستلقائه حين الرمي لفوات الطير فيمنعه المؤخرة المنصوبة، ومنها تعويق الفارس إذا ركب فإنه يحتاج أن يرفع رجله اليمنى حتى يصير في السرج، ومنها أن الراكب إذا كان ممن عادته حين ركوبه مسك المؤخرة فإن كان حرف المؤخرة منتصبًا فلا يتمكن كما ينبغي إلا إذا كانت المؤخرة لاطية، وأكثر الناس لا يمسكون حين الركوب سوى المؤخرة باليد اليمنى، ورأي القدماء ومن تأدب بأدبهم ومعرفتهم ليس لهم حين الركوب سوى إمساك القربوس باليد اليمنى، وفي ذلك فوائد كثيرة، والمملوك يعتمد ذلك، ذكرها الأستاذ ابن أبي خزام الختلي في كتابه المعروف بالفوائد الجليلة في علوم الفروسية والرماية وأمراض الخيل ومداواتها، ولا يجوز للجندي إذا كان يحسن المطالعة أن يعرج على غيره من الكتب، وكتابه الكبير جمع علومًا شتى، وأبي خزام هو بالخاء المنقوطة فوقها وبالزاي المنقوطة وتشديدها، وأكثر الناس يصفحونه ويقولون الخيلي والجبلي وهو غلط. وإنما هو الختلي بالخاء المنقوطة والتاء المثناة وتشديدها، ويقال إن ختل بلدة قرب بغداد، والله أعلم.

1 / 5

واعلم أن أول الفروسية الصيد على الخيل بشرط اللباقة وصنيع الرماية، وحسن الثبات في ظهور الخيل، وكم من راكب وسابق ورامٍ لا يعد فارسًا ولا عازمًا بما هو بصدده.
وعلم الصيد باب واسع، وعالمه في صناعته بارع.
ومن أدب الصائد أن يتفقد فرسه قبل ركوبه للصيد والحرب وغير ذلك، فإذا كان ذا علم، نظر إلى وجه فرسه، فيعلم أنه متشوش أو به أمر، وقد جربنا ذلك.
وصية يحتاج إليها المتصيد
ينبغي أن لا يرخي لجام فرسه فيشوش عليه حين الركض بطرق الناعوس في سقف حلقه، وهذه مزلة في الجهّال، وكم من فرس جواد سبق بهذه القضية، بل ينبغي أن يكون اللجام مستوفيًا فم الفرس وأن يرح الذناق والقلادة، ومن الخيل إذا كانت قلادته قصيرة فيختنق، وربما نقص جريه، وقد سبقت خيول جياد بسبب ذلك.
ويحذر المتصيد والمحارب وصاحب الصولجان من اللجام الخفيف لفرسه، بل على المقدار، ومن غريب ما سمع أن بعض الملوك كانت له محظية طلبت الحضور معه في الصيد فأجابها إلى ما أرادت فبينما هو يتصيد إذ مرّ عليه سرب ظباء، وكان أرمى الناس، فقال لها: كيف تحبين أرمي هذه الظباء، فقالت: أريد أن تجعل ذكورها إناثًا وإناثها ذكورًا، فقدّر الملك أن تكون توهمت عليه العجز، وأن يتبين لها نقصه، فقال: ما سألت شططًا، ثم رمى التيوس من الظباء فحصد قرونها فصارت كالإناث، وجعل يرمي الإناث فيثبت النشاب في موضع القرن، فلما تمّ له ذلك على ما طلبت عطف فقتلها خوفًا من أن تسومه في وقت آخر ما يعجزه فتفضحه، ويقال أنها طالبته بالجمع بين ظلف الظبي وقرنه، فرماه ببندقية فأصاب أذنه فحكها الظبي بظلفه فرماه بنشابه فشكه. وما حكيت هذه الحكاية إلا لاسترفاع همة الرامي على الصيد، وأيضًا ليسلم من الإعجاب بنفسه، وهذه الحكاية من أكبر آداب المتصيد.
قال المؤلف الفقير إلى الله محمد بن منكلي: أذكر لك أيها الولي المختار نكتة عجيبة لا يكاد يسمع بمثلها، والله ﷿ أعلم، وهي من جملة آداب الجندي المتصيد. وهي إذا ركضت يا سيدي فرسك المطواع وأردت أن تطلب الصيد فليكن سيفك سلسًا، فإذا رميت الصيد وأخطأته فربما رجع إليك بسرعة ولم تستطع تفويق سهمك لرمية فاستعمل ضربة بالدبوس، فإن أخطأته فبالسيف، واحذر رجل فرسك، فإن كان مطلوبك غزالًا وضربته بالدبوس فعلى رأسه، وكذلك الحمار والبقر وكذلك الضبع، وإذا ضربت ذئبًا أو ثعلبًا بسيف فاقلب قبضة سيفك في كفك حين الضرب، فإنك إذا أصبته كان أنكى، وأسلم لرجل فرسك، هكذا أفادنا أشياخنا ﵏، وهذا من جملة آداب الصائد، ولو استوعب ما يلزم المتصيد من الأدب ظاهرًا وباطنًا وشرعًا وعرفًا لطال الكتاب وكان ذلك الكتاب حجمًا، وفي هذا كفاية لمن وفق لاستعمال الدراية، نسأل الله المنان بفضله التوفيق لما يحبه ويرضاه بمنه وكرمه.
باب
في ما يعتمده الملك لخاصته في وقت الصيد وفي سيره ونزوله العمدة الكبرى والعروة الوثقى أن لا يغرر بنفسه في انفراده لما في ذلك من الغرر والضرر، حكي عن بعض الخلفاء وهو هشام، وكان مغرمًا بالصيد، فاتفق له أنه انفرد فصادف أعرابيًا في بيت شعر، وعنده فرس مرتبط عند بيته، فتشاجر الأعرابي، فأغلظ الأعرابي على الخليفة فهمّ عليه الخليفة فوثب الأعرابي إلى فرسه، فركبه وضرب الخليفة بالرمح فشجّه وأدماه، فلحقه الأتباع ومسكوا الأعرابي وأتوا به المخيم، فاعتذر الأعرابي وأطلق. والحكاية فيها طول وهذا ملخصها.
وقد شهر ما اتفق للملك الأشراف بن الملك المنصور قلاوون رحمهما الله، وذلك أن الأشراف خليل كان قد ركب اكديشًا وليس معه سيف، وبيده رقمة الطبل فاتفق ما قدر في اللوح المحفوظ بتروجة.
قال لمؤلف: ولا يجوز شرعًا أن يغرر الملك بنفسه بانفراده، وأن يضيع حق الرتبة، ويتكل على المقادير، فإن اتفق ما اتفق فلا تنفعه المعاذير.

1 / 6

قال علماؤنا: القضاء يؤمن به ولا يحتج به. وأما كيفية سيره إلى الصيد فلا يبعد عن أوطانه إلا إذا تحقق من خواصه الشفقة والنصيحة وأن يستصحب الثقاة من أكابر دولته ذوي المحبة، ولا يقدمّن صغيرًا على كبير، فإن ذلك آفة على المملكة، ولا يمدحنّ صغيرًا بحضرة كبير، فإن للنفوس حظوظًا وكمائن وعلاقات عرضية وعرضية فالحذر من ذلك. ولا يصلح للسلطان حين السير الامتلاء من الطعام والشراب ولا لغيره أيضًا، فإن السلطان كالرأس للبدن ولا ينبغي الدعاء عليه وإن جار، بل يدعى له بالصلاح ويهدى له كل نصيحة على تنوعاتها، فإن شئت قلت "والدًا"، وإن شئت قلت "أستاذًا" وإن شئت قلت "أخًا في الله"، فمن حيث الجملة وجب نصحه وموالاته وإتحافه بكل ما يقدر عليه، اللهم أصلح سلطاننا ووفق أمراءنا وعلّم علماءنا، وارزقنا طاعتهم فيما تحبه وترضاه آمين.
نكتة
وقالوا إن أول الفروسية الصيد، وإنه أحوج ما يكون إليه الملك ومن دونه، فإن فيه عشر خصال، أولها: تمرين الخيل، الثانية: رياضة النفس، الثالثة: لذة في غير محرّم، الرابعة: اكتساب الشجاعة، الخامسة: معرفة ذوي الألباب، السادسة: أن ينكفّ عن الذنوب في وقت صيده، السابعة: أنه يستغني بالصيد عن أن يأكل في غير وقت الحاجة، الثامنة: أنه يداوي ما به من الغموم والهموم، التاسعة: إن الصيد يزيل عن الجسد بالحركات ما يولد من الأوجاع ومن الفضلات والرطوبات ما يحركه تعب الصيد من الملاذ، العاشرة: أنه يزيل الفكر ويحد النظر.
وروى ابن عباس، ﵄، أنه قال: إنما سمي أصحاب المسيح الحواريين لبياض ثيابهم وكانوا صيادين.
وقال أرسطو طاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد ثم البناء ثم الفلاحة. وقيل لبعض الملوك المدمنين على الصيد، إنك قد أدمنت على الصيد، وفيه مشغلة عن مهمّ الأمور ومراعاة الملك.
فقال: إن للملك في مداومة الصيد حظوظًا كثيرة، أولها، تبينه في الصحاري مواقع العمارة في بلاده من الزيادة والنقصان. فإن رأى في ذلك ما يسره بعثه الاغتباط على الزيادة فيه، وإن رأى ما يكره جرد عنايته ولم يستتر عنه ذلك، فرأس الملك العمارة، ولم يخرج ملك قط لصيد إلا رجع بفائدة، أما جسمه فيروّضه، وإما أن يكون قد طويت عنه حالة مظلوم فيتمكن من السماع منه، ورفع ظلامته فيسلم من ماثمة وقد ورد عن بعض علماء الأكاسرة في سيرهم، وما كان من الانبساط والأريحية سيما مع الظفر وإدراك البغية يعني تحصيل الصيد، وإن المرء يكون في تلك الحال أطرب منه عند سماع شقائق الألحان، وربما قويت النفس حينئذٍ وانبسطت الحرارة الغريزية فعملت في كثير من العلل.
قال عيسى الأسدي، وكان عالمًا بأمور الصيد لم يكن مثله: إنه حدث عن من شاهد من غدا إلى الصيد، وكان به صداع مزمن، فركض فظفر بصيد، فلحقه الرعاف من ذلك الركض، فحلّل ما كان به من لصداع عند حركة الصيد.
وآخر كانت به سَلْعة يجبن عن بطها، فلما ركض خلف الصيد قويت الطبيعة، فانفتحت السلعة وهو لا يعلم.
وآخر كانت في يده خراجة مندملة على نصل سهم، فاحتدّ في الركض خلف الصيد، فبرز النصل عند تكامل احتداده.
وأخبر عن بعض الأدباء حكاية ظريفة، أنه قصد بعض الأكابر فتعذر عليه ما أمله عنده وحجب عنه، وكان المقصود كثير الطرب بالصيد، مغرمًا به، فعمد الشاعر إلى رقاع صغار، وكتب فيها مدحه، وصاد عشرة من الظباء والثعالب، وشد تلك الرقاع في أذنابها، ووقت خروجه إلى الصيد كمن الشاعر في مظانّة وأرسلها واحدة بعد واحدة، كلما صاد الملك شيئًا أرسل الشاعر بعده شيئًا آخر إلى أن صاد الملك الجميع، وقف على الرقاع، فسر وزاد طربه واستظرف ذلك، وطلب صاحب الرقاع، ففرح به ونال منه حاجته.
والمقصود من حركات الملوك في الخروج إلى الصيد، أنهم لا يرجعون إلا عن إتمام معروف أو نصرة مظلوم، فهذه والله هي النتيجة الباقية والهمة العالية، ويتنزهون عن دوس الزروع إذ هممهم أمنع من الدروع. ولو بسط القول في ما وقع للملوك حين صيدهم من المآثر الجميلة والآثار الجسيمة لخرجنا عن المقصود.

1 / 7

قال محمد بن منكلي: وينبغي للملك وغيره أن يكون دأبه قبل الركوب بعد صلاة الصبح، ما يعتمده من قراءة القرآن والذكر والتسبيح والدعاء وطلب المعونة والتوفيق والسداد في الحركات والأحكام، وأن يتناول ما يصلح لمزاجه من مأكول يسير وشرب مباح، ولا يمتلئ من الطعام والشراب، فإن الصائد لا يصلح له ذلك خصوصًا الراكض فربما إذا ركض الممتلئ من الطعام والشراب فرسه أورثه البواسير وغيرها من الأدواء.
ولا ينبغي للملك التصيد حين المطر ونزول الثلج، ففي ذلك عدم التذاذ وتبرم الحاشية كالشبان والغلمان الذين لا جلد لهم، ويتوقى الركض في الزلق والسباخ والوحل، وهذا لا يعد من الفروسية، بل فعل هذا جهل محض، ولا يجوز فعل ذلك في شرعنا، ولا في شرع غيرنا لما في ذلك من الضرر بزلق الفرس وكسر عضو من أعضاء الفارس أو الفرس أو كلاهما معًا.
وقد رأيت من اتفق له مثل ذلك وكسرت رجله وسلم من الموت. وأما الصيد في وقت الغيم فلا بأس في ذلك.
وقد أجمع العقلاء أن الضواري لا يجوز أن يلعب بها إلا الملوك ومن دون الملوك إلا من كان شجاعًا سخي النفس، ثابت العقل، يعلم ما ينفعها ويضرها فيدبره بعقله ورأيه، وأن يكون مكملًا في جميع آلة الصيد من الزرق والحلق والركوب والهمة العالية، وأن لا ينظر إلى ما يصل إلى أرباب الضواري والساسة لها والصّناع في أن يكثر عليه أو في عينه، فإن الله قسّم الأرزاق. وجعل الأسباب موصلة بينهم.
وقد أجمع العقلاء على أن ألذّ ما وجد من الصناعات وأحلها وأجلها وأطيبها وأقربها إلى طبائع الإنسان مثل الصيد، وذلك أنه يميل إليه قلب كل أحد من سائر الخلق.
وقد ذكر أن لحم الصيد أنفع ما يكون للمريض، وذلك أنه يزداد لحم الصيد بتعبه لذة لأنه يقلل تعب المعدة في هضمه لتعبه وحركته وتخبطه في كف الجارح أو في فك الفهد والكلب وغيره.
وقد تقدم ذكر الغيم. ولم نذكر ما الفائدة في وقته فنذكر ذلك الآن؛ وذلك أن الملوك كانت تقسم أيامها، فتجعل يوم الغيم الذي لا مطر فيه للصيد، وهو اليوم المحمود للطيور الضواري وللصيد أيضًا، وذلك أن الضواري أفره ما يكون في يوم الغيم والصيد أشغل ما يكون في هذا اليوم بطلب المرعى والمداومة على الرعي، ومع الاشتغال فرصة للصياد، والضاري.
ويجعلون يوم المطر المتتابع للخلوة والتلذذ مع من يحبون ويختارون، ويوم الصحو للقاء الناس، والانتصاب في المجالس لمقابلة العامة والنظر في مهمات الأمور ويغلس في التماس الطرائد لأنها تكون في ذلك الوقت قد هدأت وربضت للنوم فتثار، وفي عيونها سنة النوم.
وأما الصيد في أي يوم من أيام الجمعة، فقد ذكر عن بعض من قسم الأيام من الأدباء أنه يوم السبت وقال في ذلك:
لنعمَ اليوم يوم السبت حقًا ... لصيدِ إن أردت بلا امتراء
وفي الأحد البناء لأن فيه ... تبدّى الله في خلق السماء
وفي الاثنين إن سافرت تلقى ... عظيم النجح فيه والهناء
وإن ترد الحجامة فالثلاثا ... ففي ساعاته نزف الدماء
وإن تشرب لتنقية دواء ... فنعم اليوم يوم الأربعاء
وفي يوم الخميس قضاء حاج ... ففيه الله يأذن بالقضاء
ويوم الجمعة التزويج فيه ... ولذات الرجال مع النساء
قال المؤلف غفر الله له: ولم أتعرض على صاحب هذا الكلام، إلا أنه ربما خرج المتصيد في وقت غير ملائم على رأي أصحاب الفلك، وأما الاختيار للصيد فهو كالاختيار في الحرب، وقد هجي متصيد خرج في وقت منحوس، فقيل فيه:
ومدمن لهج بالصيد منهمك ... فيه ويرجع عنه وهو عريان
لا يطلب الصيد إلا وقت منحسه ... وطالع حلّ فيه النحس كيوان
فالطرف يشكوه والكلابُ تلعنه ... والوحش راضية والكلب غضبان
وأما على مذهب الفقهاء ختم الله لهم بالحسنى. فلا اختيار لوقت دون وقت بعد الاستخارة الشرعية، ولو فصلنا القول على مذهب أهل الفلك لخرج بالكتاب عن المقصود، ولكن الأصول بحمد الله محفوظة مضبوطة.
وقد ذكر قبل كيفية سير الملك للصيد فقد بسط القول فيه على سبيل الاختصار بحمد الله. وليبدأ الآن مختصرًا كيفية نزوله عند فراغه ورجوعه من صيده.

1 / 8

قد تقدم أنه يجب عليه شرعًا وعقلًا التحفظ من كل ما ينبغي التحفظ منه، فإذا نزل فلا يسبق من يعتمد عليه، وليكن النزول كحال لرحيل بالانتظام السلطاني على عادة الملوك بل يختار ويتحرى ضوابط لم يكن سبق إليها مستحسنة للعقلاء وأصحاب الرأي. قال الله تعالى: (توجد آية)، وهذا مطرد في حق كل حاكم مسئول، فإذا نزل استروح، ونظر في كل من هو مسئول عنه وكشف حال القاصدين له كشفًا شافيًا وأقول: ولا ينبغي للملك أن يبعد عن مقرته في صيده، ويتفقد كل ساعة أحوال الكشافة الذين يقدمون من قلعته بكل خبر قلّ أو جل ولا يشتغل في نزوله بما لا فائدة فيه كلعب الشطرنج، وأقول: إن المبالغة في لعب الشطرنج لا يصلح للملوك أصلًا وقد هدت أركان بواسطة المبالغة في لعب الشطرنج وسببه ظاهر، فإن العوالي من الشطرنجية أكثرهم مقامر مرتكب محرّم لا محالة، ولم يزالوا يفشون أسرار الملوك والأكابر والسبب الداعي لإفشاء سر الملوك ظاهر، وذلك أن الملك الغاوي للشطرنج إذا لعب مع عالية، فلابدّ للعالية أن يهزأ بالملك ويسترخي له، فيظن الملك أنه غالب، وإنما هو مغلوب، فيفرح الملك بغلبه ظنًا فيخرج منه كلام يقتضي السكوت عنه، فيتكلم به كحال السكران من الخمر، وحالة الفرح كحالة الغضب، فيجب على الملك وعلى كل عاقل أن يتحفظ في كلامه، فيسمع الشطرنجي كلامًا يقتضي السر فيفشيه فيفشى ذلك الكلام مع طلبة الشطرنج فينقل من واحدٍ إلى واحد فيحصل الضرر والعياذ بالله من الخائنين.
وأقول: وليس لهم ذنب، بل الذنب لمن قربهم، إذ القرب لهم عار وانحطاط في الرتبة، وليعتبر بحال السلطان الملك المنصور لاجين تغمده الله برحمته، وما اتفق له بواسطة لعب الشطرنج بحضور ابن العسال ﵀.
وقد حصل له ما فيه كفاية من الرعب الشديد، وكان ذلك تأديبًا له كيف حضر أماكن اللعب بالشطرنج وسلم من الموت.
قال محمد بن منكلي: يتعين على الملك حين نزوله أن يقرب إليه مع ثقاته أجرى خيله وأصبرهم، وكذلك يكونون بالقرب منه الخيول السبق حين سيره أرضًا، ولقد نازعني بعض الجند الجياد، وإن المطلوب من الفرس الطرقة فقلت: لا أسلم إنما المطلوب من الفرس الجري، وأقمت الدليل الشرعي والعقلي فانقطع وسلم واستفاد ذلك، وكأنك يا سيدي تقول، ما الدليل الشرعي والعقلي، أما الشرعي: فالرواية الصحيحة عن وهب بن منبه ﵁ متصلًا، إن الله ﵎، خلق الفرس العربي من ريح الجنوب، ثم قال له: وقد جعلتك للطلب والهرب، وسأجعل على ظهرك رجالًا يسبحونني ويحمدونني ويهللونني، تسبحين إذا سبحوا، وتحمدين إذا حمدوا، وتهللين إذا هللوا إلي، ففي ذلك بيان واضح بتفضيل الجري على الطرقة، فإذا حصلتا فبخ. بخ.
والفرس الجاري منج من الهلكة وطلب الأعداء وبلوغ الإرادات وغير ذلك من استلحاق الصيد، خصوصًا الفرس الطويل النفس، وأحسن ما يكون من الخصال المحمودة الوهيبة أن يكون جريه أولًا وآخرًا سواء بقوة، وهذا قليل في الخيل فمنهم من هو حاد، أول جلبته قوية وآخر جريه رديء ولهذا وظيفة تقدم ذكرها. ومنهم بالعكس، أي الذي جريه في أول وهلة بطيء، وكلما عرق وتقدم جريه فهو جيد، لكن فيه قضية فلربما طلب فلحقه الحاد في أول وهلة فمعر راكبه، وهذا التفصيل لم أسمع به وهو ظاهر.

1 / 9

وأما الدليل العقلي فإن الفرس السابق ربما لا يحسن منظره ولو قوم عليه لم يكن إلا بثمن بخس، فإذا اختبر بالجري ووجد سابقًا وأعطي فيه ثمنًا زائدًا إلى الغاية ورغب فيه، ولم تزل الملوك وغيرهم من الأمراء والأجناد يبذلون المال في تحصيل الفرس السابق إذ بسببه نجاة من الموت أو القتل. ولقد جيء بفرس في أيام السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان ذلك الفرس إذا قوم عليه لا يساوي ثمنه غير ثلاث مئة درهم، وكان حصانًا أحمر فاتفق أنه سوبق به، ويخيل سبق مذخرة عند السلطان، فسبق الجميع وكان صاحبه بدويًا، فأخذه السلطان واحتفل به غاية، وأمير أخر إذ ذاك أيدغمش، وقد اتفق مثل هذه الحكاية كثيرًا ولا ينازع في ذلك إلا الجهال والعامة من الجند الذين لا يحل لهم تناول الإقطاعات، وترى الواحد منهم لا يحس أن يمد قوسًا ولا يركب من الأرض فرسًا. وذلك من لوازم الملك النظر في مثل ذلك إذ في مثله منقصة في المملكة، وأكثرهم يتناول من الإقطاع نحو العشرة آلاف درهم نقرة، والمستحقين لم يجدوا كفاية.
وكأن قائلًا يقول: هذا نصيبهم، فلا حجة في ذلك، وهذا تحصيل الحاصل وتحصيل الحاصل محال، قال تعالى: (توجد آية) . وهذا متوجه من حيث المعنى، ولا يقول غير هذا إلا الأجنبي من العلم، وكل من أخذ مالًا يستحقه فحرام فعله.
فصل في كيفية العمل بآلة الصيد من رمي وزرق وطعن وضرب ورشق حذف
وذكر حسن الآلات المذكورة بعد قال محمد بن منكلي. لطف الله به. اعلم يا سيدي أن قوة الرماة تختلف عن الرمي بالقوس الصلبة والقوس اللينة. فصاحب القوس اللينة أسرع مدًا وإطلاقًا، وأعدل لرمي الصيد خلا الرمي على الأسد، والرمي على الحصون، والرمي على اللابس المصفح، فإن الرمي على المصفح بالقوس اللينة يحتاج إلى دربة وفهم ثاقب. وليس هذا الكتاب يذكر فيه بيان ذلك، وقد ذكرت ذلك في تآليفي فلينظر هناك.
وإذا خرجت يا سيدي إلى الصيد فاستصحب قسيًا كثيرة إن أمكن فربما طال وقت الاصطياد وكثر الصيد، وطال الرمي فتلين قوسك خصوصًا في فصل الصيف، فإذا رميت بهذه القوس التي قد ارتخت قلت نكايتها، وأنا أذكر لك حيلة إذا ابتليت بهذه القوس الرخوة، وأنت طارد خلف صيدك إما غزال أو غيره، فادن منه إن أمكنك ذلك بأن يكون فرسك مستريحًا، وقد غيّرت الفرس الأول وركبت المستريح، فحينئذٍ تركض فرسك المستريح وتتناول القوس الرخوة التي ما معك غيرها لتفريطك أو لضعف حالك أو نسيانك أو لعذر من الأعذار مقبولة أو غير مقبولة، فادن الآن من صيدك إن أمكنك ذلك واستغرق سهمك وتأخر في سرجك الواسع اللاطي المؤخرة كما أعلمتك قبل هذا، وارم فإن تأخرت كما ذكرت لك وأصبت صيدك ربما اثر تأثيرًا جيدًا. وأما إن ركضت فرسك المتعوب، ورميت، بقوس قد ارتخت وبعدت عن طلبتك للصيد، ورميت صرت الآن مضحكة للعارفين بهذا الشأن فالحذر من ذلك، الله، الله.
وإذا أحسست يا أخي من فرسك بتعب فلا تركضه أصلًا فيحرم عليك شرعًا، ولم تعد من العارفين بأمور الجندية.
قال محمد بن منكلي: ويحرم إتعاب الفرس في الطرد خلف الصيد في زمن الصيف، وإذا تكرر على الفرس مثل ذلك فإنه ينقطع وينسل إلى أن يموت، وإن سلم من الموت فلا يحصل له الرجوع لحاله الأول إلا بعد ثلاث ربعات، هذا يعلمه أصحاب الخيل المجربين، وقد علم أن إضاعة المال غير جائزة شرعًا.
وأما الملوك فلهم أمور وأحوال أخر، وأما الرمي عن القوس الصلبة على الصيد وغيره فله شرط، وهو إذا لم يستغرق السهم ويرمي وإلا فصاحب القوس اللينة أنكى سهمًا وأبعد طردًا وأليق حين الرماية. وهذا معروف عن الرماة المجيدين وإذا لم يستغرق السهم في كلا القوسين الصلبة واللينة فلا اعتبار بهذا السهم وأكثر الجبلية لا يستغرقون سهامهم حين الرمي عن القسي لصلبة إذ أكثرهم يتعانون تلك القسي الصلبة وكذلك الإفرنج، خذلهم الله تعالى لا يستغرقون السهم حين الرمي عن القسي الصلبة، ولا يعرفون الرمي على الخيل سواء كانت واقفة أو راكضة.

1 / 10