333

Durūs lil-Shaykh Ṣāliḥ b. Ḥumayd

دروس للشيخ صالح بن حميد

وسوسة الشيطان
أيها المسلمون: إن الإنسان جسدٌ وروح؛ فكما يتأثر بالمادة وأسبابها؛ من طعامٍ وشراب، وحَرٍّ وقَرٍّ، وغذاءٍ ودواء، فإنه يتأثر بالمؤثرات الروحية بإذن الله.
فالشيطان وجنوده جعل الله لهم تسلطًا على بني آدم: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الإسراء:٦٤]، ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:١٧].
وأخبرنا نبيكم محمد ﷺ أنه: ﴿ما من أحدٍ من بني آدم إلا قد وُكِّل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي؛ إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير﴾ أخرجه مسلم.
وفي خبر عند مسلم أيضًا: ﴿إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه﴾.
بل إن هذا التأثير -أيها الإخوة- منه ما هو وسوسة وإيحاء، ومنه ما هو محسوس وملموس.
وتظهر الوسوسات والإيحاءات في صورٍ وأحوال من الدوافع والانفعالات؛ ففي هاجس الفقر، وحب المال، ومسالك الفحشاء: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة:٢٦٨].
وفي حب الأولاد والعواطف: ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ﴾ [الإسراء:٦٤] ﴿النظرة سهم من سهام إبليس﴾.
وفي انفعالات الغضب يتغلغل الشيطان ليخرج المرء عن طوره المعتدل، فيسب ويشتم ويقطع الرحم ويطلِّق، وفي الحديث: ﴿إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ متفق عليه.
حتى انفعالات الغيرة النسائية -أيتها الأخوات المسلمات- للشيطان فيها نصيب، فحينما افتقدت عائشة ﵂ حبيبها محمدًا ﷺ ذات ليلة أدركتها الغيرة، فقال ﵊ لها: ﴿أوقد جاءك شيطانك؟! فقالت: أوَمعي شيطان؟! قال: نعم، قالت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم﴾ رواه مسلم.
بل إن الشيطان قد يبث المخاوف في النفس ويهز القلوب بالقلق والحزن: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران:١٧٥]، ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة:١٠].
ويترقى ذلك إلى بث النزعات العدوانية: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء:٥٣].
وفي الخبر عند الشيخين: ﴿إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن لم ييئس من التحريش بينهم﴾.

29 / 4