309

Durūs lil-Shaykh Ṣāliḥ b. Ḥumayd

دروس للشيخ صالح بن حميد

السلامة بين المبدأ والتطبيق
أيها الإخوة المسلمون: الحفاظ على المهج من أغلى المطالب إن لم يكن أغلاها، والإنسان أكرم المخلوقات على الله، خلقه وكرمه وفضله: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء:٧٠] والنفس الإنسانية ليست ملكًا لصاحبها وليست ملكًا لأحدٍ من الناس وإنما هي ملكٌ لله وحده، ومن أجل ذلك حرم سبحانه الاعتداء عليها حتى من قبل صاحبها: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ * وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء:٢٨ - ٢٩]، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) [المائدة:٣٢] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] ومع وضوح ذلك وجلائه في أصول الديانة، وثباته ورسوخه في فقه الشريعة، إلا أنه مع الأسف، وفي خضم الغفلة والإهمال وقلة المبالاة من المرء نفسه وممن حوله من أهله ومن له سلطانٌ عليه، ترى من يجازف ثم يمارس أفعالًا وسلوكيات تلقي بالنفس إلى التهلكة، وتوقع الغير في الهلكة، ترى أرواحًا تزهق، ونساءً تترمل، وأسرًا تفنى، وأطفالًا تيتم، وأمراضًا مزمنة، وإعاقاتٍ مستديمة، ترى منشآتٍ تهدم، ومنجزاتٍ تتلف، وآلاف الملايين من الدراهم والدنانير تهدر، فواجع تصل إلى حد الهلع، وخسائر تصل إلى حد الإفلاس، أطفال في مقتبل الحياة، وشباب في نضرة العمر، ما حال البيت وقد فقد عائله؟
وما حال المرأة وقد فقدت من يرعاها وأطفالها؟
وما حال الوالدين وقد زهقت روح شابهم اليافع وصبيهم الأمل؟
ما حال الأسرة وقد حل بها معاقٌ علاجه مكلف، والكد عليه مرهق؟ أصبح مقعدًا عاجزًا عالة على أهله ومجتمعه ودولته، حسرة في القلوب، وعبء في الكاهل بسبب ماذا كل هذا؟ ومن أجل ماذا كل هذه المعاناة؟ بسبب فعلٍ متهور، وتصرفٍ طائش، وعملٍ غير مسئول، ماذا يبقى إذا هانت الأرواح، واسترخصت الدماء؟ وإلى أي هاوية هؤلاء ينحدرون؟ لقد فاضت نفوسٌ زكية، ودماء بريئة، فمتى تفيض دوافع العقلانية؟ ومتى تستيقظ مشاعر الإحساس بالمسئولية؟ ومتى يهتدي الضالون؟ ومتى يستفيق الغافلون؟ كل هذه المصائب وجل هذه المآسي راجعة إلى الإخلال بحق الطريق، والتفريط في آداب المسير، والإهمال في قواعد المرور.

26 / 3