371

Tuhfat al-Aʿyān li-Nūr al-Dīn al-Sālimī

تحفة الأعيان لنور الدين السالمي

وأما ما ذكرته في العاذرة من الأمر الذي جعلته عليك، فكيف أنت اليوم ولدي جناحي الذي أنتوصل به إلى إعزاز الدين الحنيف؛ وخليفتي الذي أخلفه ركنا لهذا المذهب؛ فوسع صدرك، وشارو العلماء في أمرك؛ ولا تقطع عمرك وتضيق الصدر والحزن، وهون على نفسك من جميع ذلك؛ وانظر ما أمامك من العوائق والمهالك، فإن السالم من وفقه الله ونجاه وارتضاه خليفته واصطفاه حتى حاذر من جميع معاصيه وخسه، إلا من ضيق على نفسه وحزن في يومه أكثر من أمسه، وقطع نفسه بالندم والهموم؛ والكرب والغموم؛ سلم الأمور ولدي لخالق الأرض والسماء وما فيهن وما تحت الثرى؛ واصبر وما صبرك إلا بالله؛ وتوكل عليه وفوض أمرك إليه؛ واتقه حق تقاته ليجعل لك من جميع أمورك المخارج لقوله عز وجل ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا ) فالله الله ولدي في سياسة الملوك، لا تكن غافلا ولا مهملا لأمورك فإنك ركبت الخطر العظيم والهول الفظيع الجسيم، فلا تلتفت ولدي إلى الدنيا ونعيمها وغضارتها، فإنها لعب ولهو وزينة وتفاخر؛ لا توازن عند الله جناح بعوضة، فاجتهد في ذلك واقتد بإخوانك الماضين؛ حيث تركوا الدنيا لأهلها، وبذلوها لطلابها وتوكلوا على الله حق التوكل، ولم يقصروا جهدهم في الله وإعزاز دينه وإظهار كلمته وإخماد نار البدع وإماتة الباطل وقتال الباغي العاطل؛ فلم تخدعهم الدنيا بغرورها ولم يعدلوا إلى لذتها وسرورها؛ حتى تركوها وراء ظهورهم وقذفوا حبها من صدورهم، هم الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأنفقهم مما رزقهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور.

Page 28