Tuhfat al-Aʿyān li-Nūr al-Dīn al-Sālimī
تحفة الأعيان لنور الدين السالمي
فقلت له إنما تعبر وحدك وتترك الثياب عندي , فإن قدرنا على الجواز جزنا وإلا صعدنا لطلب المجاز؛ فرجع؛ ثم رأينا رجالا جازوه عوما فتحققنا أنه كان قصده أن يغرقنا ويذهب بالثياب؛ فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطي وكنت أهز الرمح , فهابني ذلك الدليل وصعدنا حتى وجدنا مجازا ثم أخرجنا إلى صحراء لا ماء بها وعطشنا واشتد بنا الأمر فبعث الله لنا فارسا في جماعة من أصحابه وبيد أحدهم ركوة ماء فسقاني وسقى صاحبي وذهبنا نحسب المدينة قريبة منا وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة فلما كان العشي أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر وهو لا طريق له لأن ساحله حجارة فأراد أن يبيت فيها ويذهب بالثياب فقلت له إنما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها وبيننا وبين البحر نحو ميل فلما أظلم الليل قال لنا أن المدينة قريبة منا فتعالوا نمشي حتى نبيت بخارجها إلى الصباح , فخفت أن يعترض فننام فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك فخفت أن يكونوا لصوصا وقلت التستر أولى وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك فخرجت عن الطريق وقصدت شجرة من شجر أم غيلان وقد أعييت وأدركني الجهد لكني أظهرت قوة وتجلدا خوف الدليل قال وأما صاحبي فمرض لا قوة له قال فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي وأمسكت الرمح بيدي ورقد الدليل وبقيت ساهرا فكلما تحرك الدليل كلمته ورأيته إني مستيقظ ولم نزل كذلك حتى أصبح فخرجنا إلى الطريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة فبعثت الدليل ليأتينا بماء وأخذ صاحبي الثياب وكان بيننا وبين المدينة مها وخنادق فأتانا بالماء فشربنا وذلك أوان الحر , ثم وصلنا إلى مدينة قلهات وضبط اسمها بفتح القاف وإسكان اللام وآخره تاء مثناة فأتيناها ونحن في جهد عظيم وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتى كاد الدم أن يخرج من تحت أظفارها فلما وصلنا باب المدينة كان ختام المشقة أن قال لنا الموكل بالباب لا بد لك أن تذهب معي إلى أمير المدينة ليعرف قضيتك ومن أين قدمت فذهبت معه إليه فرأيته فاضلا حسن الأخلاق وسألني عن حالي وأنزلني وأقمت عنده ستة أيام لا قدره لي فيها على النهوض على قدمي لما لحقها من الآلام قال ومدينة قلهات على الساحل وهي حسنة الأسواق ولها مسجد من أحسن المساجد حيطانه بالقاشي وهو شبيه الزليج وهو مرتفع ينظر منه إلى البحر والمرسى قال وهو من عمارة الصالحة بيبي مريم. قال ومعنى بيبي عندهم الحرة , قلت بل هي كلمة ليست بعربية؛ وإنما جلبت إلى بعض ساحل عمان من أرض الزنج , قال وأكلت بهذه المدينة سمكا لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم , وكنت أفضله على جميع اللحوم فلا آكل سواه, وهم يشوونه على ورق الشجر ويجعلونه على الأرز ويأكلونه , قال والأرز يجلب إليهم من أرض الهند , وهم أهل تجارة ومعيشتهم مما يأتي إليهم في البحر الهندي , وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشد الفرح.
قال: وكلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب , وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا , فيقولون مثلا تأكل لا , تمشي لا , تفعل كذا لا.
قلت: نسب إليهم غير الفصيح لأنه لم يعرف قواعد عربيتهم , وهم عرب صراح , ولم يصلوا لا بكل كلمة من كلامهم , وإنما يجعلون ذلك في آخر بعض الكلمات في بعض المواضع كهيئة التنبيه والحث على الفعل ويزيدونها هاء السكت فيقولون لاه , وذلك إذا أردوا التنبيه على المطلوب , قال وأكثرهم خوارج لكنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمهتن ملك هرموز. قال وهو من أهل السنة.
Page 317