Tuhfat al-abrār sharḥ maṣābīḥ al-sunna

تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة

Editor

لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب

Publisher

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت

بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
بحمد الله ومنه أسترفد وبحسن توفيقه أستنجد وعلى سوابغ لطفه أستند وفي أوضح سبله بأبين دلائله أسترشد وبعصم الهداية عن غياهب الضلالة أستبعد وبالتوسل بمحمد سيد البشر وشفيع المحشر أستسعد وباقتفاء هديه واتباع أمره أستمجد وفي الصلاة عليه وعلى آله وصحبه غاية وسعي أستنفد.
ثم إلى الله سبحانه أرغب في تيسير ما هممت به من تفسير معوصات كتاب المصابيح المقتبسة من النور العلوي الفائض على الروح القدسي المصطفوي وحل مشكلاته وإبانة معضلاته واستكشاف أسراره واستيقاد أنواره والتنبيه على مزالق أهل الأهواء عن صراط السواء وما ارتبكت به علاتهم واشتبكت به جهالاتهم والإرشاد إلى ما يظهر عمايتهم ويزيح غوايتهم بحسب ما تسعه قدرتي وتفي به

1 / 3

مُنَّتي ليكون تحفة لمن سمت همته إلى اقتباس المعالم الدينية واقتناص المعارف القدسية وترقى بمراقي الفكر إلى عوالي الدرجات بلغه الله أقصى الغايات ووفقه لاستجماع أنواع الكمالات ودليلا لي يوم القيامة يهديني ونورا على الصراط يسعى بين يدي وبيميني والله سبحانه ولي التوفيق وبإسعاف راجيه حقيق
ولنصدر الكتاب بتقديم مقدمات
المقدمة الأولى
في بيان طريق روايتي لهذا الكتاب
وهي من طرق متعددة ووجوه مختلفة أجلها وأقواها أني قد قرأته وسمعته ملرارا على والدي مولاي ولي الله الوالي قاضي قضاة الأعظم السعيد إمام الحق والدين: أبي القاسم عمر بن المولى العلامة قاضي قضاة المغفور له فخر الدين أبي عبد الله محمد بن الإمام الماضي صدر الدين أبي الحسن علي قدس الله أرواحهم ونور ضرائحهم
وهو يرويه عن والده المذكور لقبه واسمه ونسبه وعن عمه أقضى القضاة السعيد شمس الدين أبي نصر أحمد بن علي وعن الإمام

1 / 4

القاضي حجة الدين عبد المحسن بن أبي العميد الأبهري وعن الصدر السعيد كافي الدين فناخسرو بن فنا خسرو فيروز الشيرازي وعن الإمام زين الدين علي بن إبراهيم بن الحسين البيضاوي
وهؤلاء يروونه عن الإمام الحافظ الناقد أبي موسى محمد المديني عن مؤلفه الإمام محيي السنة ناصر الحديث أبي محمد الحسين بن مسعود الفراء البغوي ﵏
وكان ﵁ يرويه أيضا عن الإمام السعيد مخلص الدين أبي عبد الله محمد بن معمر بن عبد الواحد القرشي عن والده عن المؤلف وعن الإمام المقتدي أرشد الدين علي بن محمد النيريزي والإمام المتبحر موفق الدين أبي القاسم عبد الرحمن السروستاني عن الإمام السعيد قوام الدين أبي مقاتل مناور بن فزكوه الديلمي عن المؤلف
وأعلاها: أنه قد أجاز لي روايته خالي الإما السعيد الرباني شهاب الدين أبو بكر ابن الإمام الماضي نجم الدين عبد الرحمن البيضاوي والصاحب السعيد غياث الدين أبو مضر محمد بن أسعد

1 / 5

العقيلي اليزدي والإمام المرحوم جمال الدين أحمد الهمداني المعروف ب (عاج) وهؤلاء ﵏ يروونه عن الحافظ عن المؤلف
وإني قد سمعته بعضه وأجاز لي روايته باقيه الإمام المعمر جمال الدين عثمان بن يوسف المكي عن الإمام أبي منصور بن حفدة الطوسي عن المؤلف ولهل طرق أخرى تركتها حذرا عن الإكثار وإيثارا للاختصار والله ولي التوفيق
المقدمة الثانية
في بيان فضل الفن من العلم على سائر الفنون
سنتلو عليك فيما يتلو هذه المقدمة ما يدل على مؤاخاة وتناسب بين الكتاب والسنة وأنهما من واد واحد وناهيك بهذا لها شرفا وفضلا وهي كعين ينشعب عنها أنهار العلوم الدينينة والمعالم الشرعية فإن علم التفسير - مع جلالة قدره ونباهة ذكره - مبناه على تأويلات وبيانات صدرت عن الشارع صلوات الله عليه وسائر العلوم منشعبة عن هذين العلمين ومتفرعة عليهما لأن من الآيات والسنن ما هي متعلقة بالعقائد

1 / 6

والمعارف ومنها ما يتعلق بأفعال الناس وأحوالهم وإما على طريقة شرع الأحكام أو على سبيل القصص والأخبار.
والأول استأثر الناظر في المعارف والطالب للحقائق وتصرف فيها بالتفصيل والتكميل حتى تحصل على الطبقة العليا والمعرفة الأولى المسماة بـ: العلم الإلهي وأصول الدين وعلم الكلام
والقسم الثاني: وهو ما يتعلق بالأفعال على طريق التخيير أو الاقتضاء انقسم قسمين يتعلق أحدهما بالأعمال الظاهرة وثانيهما بالأحوال الباطنة فأخذ المجتهد في طلب الأحكام الشرعية القسم الأول من هذين القسمين وجعل ما كان منهما معربا عن قاعدة كلية يمكن التوصل بواستطها إلى أحكام شتى أوضاعا وأساسا وسماها مع ما انضاف إليها مما يشاكلها ويتعلف بأذيالها أصول الفقه وما كان دليلا على قضايا تختص بفعل فعل سندا وأصولا وتامل فيها حق تأمله وبذل غاية جهده حتى حصل له من مفهوم منظومها ومدلول مفهومها ومقتضى معقولهل أحكام يقف الحاصي دون إحصائها وسماها: علم الفقه وعلم الشريعة وعلم المذهب
واستخلص أرباب السلوك السائحين في الملأ الأعلى السائرين إلى الله تعالى قسيم هذا القسم وغاصوا فيها وجعلوها ظهرا لبطن ففهما ظواهرها وورثوا بالعمل بها حقائقها وبواطنها فجمعوا الأمرين مناصحة للمريدين ومعاونة للمقتبسين فسموا القسم الأول: علم التصوف وعلم مكارم الأخلاق وعلم الرياضة

1 / 7

وعلم التزكية وعلم التخلية وسموا الثاني: علم الحقائق وعلم المشاهدة وعلم المكاشفة
والقسم الثالث: من الأقسام الثلاثة: الأول أخذه القاص باعتبار الحكاية نفسها: تارة متبددة وتارة متسقة وبنى عليه علمي القصص والتواريخ والمذكر باعتبار ما يصحبها من الاعتبار المرغب والمرهب واستخرج منها علم التذكير فظهر بهذا أن علم الحديث رئيس العلوم ورأسها ومينى قواعد الدين وأساسها
المقدمة الثالثة
في بيان تناسب الكتاب والسنة
قد جرى فيما مضى من الكلام أن الأحاديث تنقسم إلى أقسام ثلاثة: عقائد وأحكام وأخبار والقسم الأخير بأسره غيب لا يمكن الوقوف عليه بإيحاء وتوقيف سواء كانت إخبارا عن أمور مترقبة كالفتن الحادثة والوقائع النازلة في دور دور والأشراط الدالة على دنو القيامة أو قصصا وحكايات عن أشياء سالفة وأشخاص دارجة فإنها أيضا ممن لم يكن حاضر تلك الأحوال ولم يمارس شيئا من كتب الأخبار ولم يصاحب أحدا يعلم هذا الفن ويعتمد فيه على قوله غيب صرف لا يتصور معرفته إلا بنوع من الوحي والإلهام من عالم الغيب والشهادة

1 / 8

والقسمان الآخران وإن أمكن أن يكون فيهما ما صدر عن استدلال عقلي في مسألة عقلية أو اجتهاد في حكم واقعة لم نجد فيه نصا فإن الشافعي وأبا يوسف - رحمهما الله - جوزاه وتوقف فيه الباقون غير أبي علي وابنه فإنهما منعا وجمع فرقوا بين الحروب وغيرها إلا أن ظاهر قوله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى﴾ [النجم:٣ - ٤] يمنع ذلك
فإن قلت: من المحتمل أنه تعالى أوحى إليه وأمره بالاستدلال والاجتهاد وحينئذ يكون ما قاله استدلالا واجتهادا قولا بالوحي واتباعا له.
قلت: أخبر ﷾ أن ما يقوله وحي لا أنه بالوحي وتسمية ما يكون مسببا عن الشيء باسمه مجاز والصل يمنعه فظهر إذا أن الأحاديث كالآيات في كونها وحيا منزلا من عن الله تعالى لكنها تفارقها من وجوه:
الأول: أن الكتاب هو المنزل لأجل الإعجاز والتحدي به ولا كذلك الحديث.
والثاني: أن ألفظ القرآن متعبد بها لا يجوز تغييرها وتعويضها بما يفيد عين فائدتها بخلاف السنن فإن أكثر الأمة على جواز نقلها بالمعنى
والثالث: أن ألفاظ القرآن ما هو مكتوب في اللوح المحفوظ وليس لجبريل ولا للرسول - صلوات الله عليهما - تصرف فيها أصلا

1 / 9

وأما الأحاديث فمن المحتمل أن يكون النازل على جبريل معنى صرفا فكساه حلة عبارته وبينه للرسول ﷺ بتلك العبارة وألهمه كما لقيه فأعرب الرسول بعبارة تفصح عنه هذا ما لاح لي ارتجالا والعلم عند الله وحده
المقدمة الرابعة
في بيان أنواع الحديث
ينبغي لك أن تعلم أنه ليس كل مل ينسب إلى الرسول - صلوت الله عليه - صدقا والاستدلال به جائزا فإنه روي عن شعبة ﵀ أنه قال: نصف الحديث كذب وعن أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم من أئمة الحديث ﵏ نحو ذلك
ولأنه نسب إليه - صلوات الله عليه - أنه قال "سيكذب علي" فهذا الخبر إن كان صدقا فلا بد من أن يكذب عليه وإن كان كذبا فقد كذب عليه وللمخافة عن هذا أوعد الشارع عليه وقال "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"
وهذا إنما وقع من الثقات لا عن تعمد بل إما لنسيان كما روي عن ابن عمر ﵁ روى "إن الميت ليعذب ببكاء أهله" فبلغ ابن عباس ﵁ فقال: "ذهل أبو عبد الرحمن إنه ﵇ مر بيهودي يبكي على ميت فقال "إنه ليبكي عليه وإنه ليعذب"

1 / 10

أو لالتباس لفظ أو وقوع خطأ في تعبير العبارة والنقل بالمعن نظيره: أن ابن عمر ﵁ روى: أنه ﵇ وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا" ثم قال "إنهم الآن يسمعون ما أقول" فذكر ذلك لعائشة ﵂ فقالت "لا بل قال: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق"
أو لأنه ذكره الرسول - صلوات الله عليه - حكاية فحسب الراوي أنه يقوله من تلقاء نفسه كما روي أنه قال: الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار فقالت عائشة ﵂: إنما قال الرسول - صلوات الله عليه - حكاية عن غيره.
أو لأن ما قاله - صلوات الله عليه - كان مختصا بسبب فغفل الراوي عنه كما روي أنه قال "التاجر فاجر" فقالت عائشة: إنما قال ذلك في تاجر يدلس أو لنحوها.
وقد وقع عن تعمد:
إما عن الملاحدة طعنا في الدين وتنفيرا للعقلاء عنه كما روي أنه قيل له: يارسول الله مم ربنا؟ فقال ﷺ: خلق خيلا فأجراها فعرقت فخلق نفسه عن ذلك العرق " تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا وتبرأ الرسول ﷺ عما بهتوه بهتانا عظيما
وإما عن الغواة المتعصبين تقريرا لمذهبهم وردا لخصومهم

1 / 11

كما روي أنه قال: سيجيء أقوام من أمتي يقولون: القرآن مخلوق فمن قال: مخلوق فقد كفر بالله العظيم وطلقت امرأته من ساعته لأنه لا ينبغي لمؤمنة أن تكون تحت كافر"
أو عن جهلة القصص ترقيقا لقلوب العوام وترغيبا لهم في الأذكار والأوراد كما حكي: أن أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - رحمة الله عليهما - حضرا مسجد رصافة في جماعة فقام بين أيديهم قاص وقال: أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قالا: أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ " من قال لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجان " وأخذ في قصة طويلة فنظر يحيى إلى أحمد وقال: أنت حدثته؟ فقال: والله ما سمعته إلا الساعة فدعاه يحيى وقال له: أنا يحيى وهذا أحمد وما سمعنا بهذا قط فقال: لم أزل أسمع أن يحيى أحمق وما تحققته إلا الساعة ليس في الدنيا غيركما أحمد ويحيى قد كتبت عن سبعة عشر أحمد بن حنبل ويحيى بن معين.
أو عن المتهالكين على المال والجاه تقربا إلى الحكام كما وضعوا في دولة بني العباس نصوصا على إمامة العباس وأولاده إلى غيرهم من الزائغين عن الهدى.

1 / 12