وقال ابنُ عبدِ البرِّ (^١): وروينا مِنْ أوجهٍ: أنَّه لما احتُضِرَ قالَ [لأخِيهِ الحُسينِ]: يا أَخِي، إنِّ أباكَ استشْرفَ لهذا الأمرِ، فصرفَهُ اللهُ عنهُ، ووليَهُ أبو بكرٍ، ثمَّ استشرفَ لهُ، فصُرِفَ عنهُ إلى عمرَ، ثُمَّ لمْ يَشُكَّ وقتَ الشُّورى أنَّهُ لا يعدُوهُ، فَصُرِفَ عنهُ إلى عُثمانَ، فلمَّا قُتلَ عثمانُ بويعَ، ثُمَّ نوزعَ حتَّى جرَّدَ السَّيف، فمَا صَفَتْ لهُ، وإنِّي والله مَا أَرَى أنْ يجمَعَ اللهُ فينَا النُّبوةَ والخلافةَ، فلَا أعرِفَنَّ ما استخفَّكَ سُفهاءُ الكوفةِ، فَأخرَجُوكَ، وقَدْ كُنتُ طلبتُ إلى عائشةَ ﵂ أنْ أُدفنَ معَ رسولِ الله ﷺ، فقالتْ: نعمْ، فإذَا مِتُّ فاطلبْ ذلكَ إليهَا، وما أظنُّ القومَ إلَّا سَيمنَعُونَكَ، فإنْ فعلُوا فلَا تُراجِعْهُمْ، فلمَّا ماتَ أتى الحُسينُ عائشةَ ﵂، فقَالَتْ: نَعَمْ وكرامَة، فمنعهم مروانُ، فلبِسَ الحُسينُ ومَنْ مَعَهُ السِّلاحَ، حتَّى ردَّهُ أبو هريرةَ، فَآلَ الأمرُ إلى دَفنِهِ بِالبقِيعِ إلى جانِبِ أمِّهِ.
وقالَ ابنُ حِبَّانَ في "ثقاته" (^٢): إنَّهُ قال لأخِيهِ: إذا أَنَا مِتُّ فاحفرْ لي معَ أبِي، وإلَّا ففِي بيتِ عليٍّ وفاطمةَ ﵄، وإلَّا ففِي البَقِيعِ، ولا ترفعَنَّ في ذلكَ صوتًا، فلمَّا ماتَ أمرَ الحسينُ بالحفرِ لهُ في بيتِ عليٍّ وفاطمةَ ﵄، فبلغَ ذلكَ بنِي أميَّةَ، فأقْبَلُوا وعليهم السِّلاحُ، وقالُوا: والله لا تُتَّخذُ القبورُ مساجدَ، فنادَى الحسينُ في بنِي هاشمٍ، فأقبلُوا بالسِّلاحِ، ثُمَّ ذكرَ قوَلَ أخِيهِ: لا ترفعنَّ في ذلك صوتًا، فحُفِرَ لهُ في البقيعِ.
(^١) "الاستيعاب"١/ ٤٤١ - ٤٤٢.
(^٢) "الثقات" لابن حِبَّانَ ٣/ ٦٨.