ومنها: ترحيلُ خَرْبندا (^١) عن رَحبةِ مالكِ بنِ طوق (^٢)، وإخمادُ تلك الثَّائرةِ التي جَلَّ غَمَرُها (^٣) عن الطِّوق.
يُحكى أنَّه لمَّا نزلَ خربندا على الرَّحبةِ ونصَبَ المجانيق، رمى مِنْجَنيق قرا سنقر (^٤) حجَرًا زعزعَ القلعةَ، وشقَّ منها بُرجًا، ولو رمَى آخرَ هدَمَها، وكانَ ﵀ يطوفُ على العساكرِ، ويشاهدُ المحاصَرِينَ، فلمَّا رأى ذلكَ أحضرَ المِنجَنيقيَّ، وقالَ له: تريدُ أنْ أقطعَ يدَكَ السَّاعةَ؟ وسبَّهُ وذمَّهُ بانزعاجٍ وحُنقٍ، وقال: وَاو لَك (^٥)، في شهرِ رمضانَ تُحاصرُ المسلمين، وترميهم بحجارةِ المناجيق؟ ولو أرادَ القانُ أنْ يقولَ لهؤلاءِ المَغُلِ الذينَ معه: اِرمُوا على هذهِ القلعةِ ترابًا، كلَّ فارسٍ مِخْلَاةً، كانوا طمُّوها، وإنَّما يريدُ هو أنْ يأخذَها بالأمانِ، مِن غيرِ سفكِ دمٍ، واللهِ، متَّى عُدتَ لرميِ حجَرٍ آخرَ سمَّرْتُكَ على سهمِ المنجنيق.
وكانَ ﵀ يَنزعُ النَّصلَ من النُّشُّابِ، ويكتبُ عليه: إيَّاكم أنْ تُذعنوا، وتُسلِّموا، وطوِّلُوا روحَكم، فهؤلاءِ مالهم ما جملونه، وكانَ يُحذِّرُهم هكذا دائمًا بسهامٍ يرميها إلى القلعةَ، ثُمَّ اجتمعَ بالوزير، وقال له: هذا القانُ ما يبالي ولا يقعُ عليه عَتبٌ، وفي غدٍ وبعدِه
(^١) هو: محمَّد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، أسلم، ثُمَّ استمالته الرافضة فاعتنق مذهبهم، توفي سنة ٧١٦ هـ. "الدرر الكامنة" ٣/ ٣٧٨.
(^٢) محلة بين الرقة وبغداد، على شاطئ الفرات أسفل من قرقيسيا، انظر: "معجم البلدان" ٣/ ٣٨. وتبعد الآن كيلًا واحدًا عن مدينة الميادين في شرق سوريا على نهر الفرات.
(^٣) في الأصل: غمزها.
(^٤) قرا سنقر الجوكندار الجركسي، اشتراه المنصور قلاوون فرقَّاه، وجعل منه نائبًا على حلب، توفي سنة ٧٢٨ هـ. "الدرر" ٣/ ٢٤٦.
(^٥) كذا في الأصل، ولعل الصواب: واهًا لك.