Al-Tījān fī mulūk ḥimyar
التيجان في ملوك حمير
Editor
مركز الدراسات والأبحاث اليمنية
Publisher
مركز الدراسات والأبحاث اليمنية
Edition
الأولى
Publication Year
1347 AH
Publisher Location
صنعاء
Regions
•Egypt
Empires & Eras
Caliphs in Iraq, 132-656 / 749-1258
بسم الله الرحمن الرحيم
رب يسر وأعن يا كريم
حدثنا أبو محمد عبد الملك بن هشام عن أسد بن موسى عن أبي إدريس ابن سنان عن جده لأمه وهب بن منبه إنه قال: قرأت ثلاثة وتسعين كتابًا مما أنزل الله على الأنبياء فوجدت فيها أن الكتب التي أنزل الله على جميع النبيين مائة كتاب وثلاثة وستون كتابًا أتزل صحيفتين على آدم بكتابين صحيفة في الجنة وصحيفة على جبل لبنان وعلى شيت بن آدم خمسين صحيفة وعلى اخنوح وهو إدريس ثلاثين صحيفة وعلى نوح صحيفتين صحيفة قبل الطوفان وأخرى بعد الطوفان وعلى هود أربعًا وعلى صالح صحيفتين وعلى إبراهيم عشرين صحيفة وعلى موسى خمسين صحيفة وهي الألواح قال الله ﴿إنَّ هِذا لفي الصُّحُفِ الأولى صُحُفِ إبراهيم وَموسَى﴾ وعلى داود الزبور وعلى عيسى الإنجيل وعلى محمد الفرقان صلى عليه وآله وسلم وعلى
1 / 9
جميع النبيين.
قال وهب بن منبه: وأنزل الله على عيسى بدأ الخلق حين أنشأه وابتدأ ابتدعه فقصه الله على نبيه موسى صلى الله عليه من يوم ابتدأه حتى أنزل عليه التوراة.
قال وهب: أن الله لما خلق الماء على الهواء وخلق الهواء على ماء. . . . . . الله بجميع ما وراء ذلك إلى الحي القيوم وكان عرشه على الماء حين لأسماء مبنية ولا أرض مدحية.
قال وهب: فاضطرب الماء وهاج فاصطفق فأزبد فصار أرضًا فخلق الله الحوت والبحر من ذلك الزبد ثم رفع الله السماء وهي دخان ﴿فقال لها وللأرض أتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سموات في يومين﴾ وخلق الملائكة في كل سماء أمرها أسكنهم السموات يسبحون ويهللون ويقدسون الواحد القهار وخلق الجبال في الأرض أوتادًا.
قال وهب: وخلق فلك سماء الدنيا شمسه وقمره ودراريه ونجومه وخلقه دائرًا
مستمرًا قال الله: ﴿والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم﴾ ﴿والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون﴾.
وقال وهب: وخلق الجنة وخلق فيها أجناس الملائكة يسبحون الليل
1 / 10
والنهار لا يفترون ثم خلق النار بعد الجنة بألف عام فزفت النار وتغيظت فتطاير منها الشرر فخلق الله من ذلك الشرر إبليس والجان وأسكنهم الجنة يسبحون الله تعالى كما يرون الملائكة يفعلون ويعيد الله إبليس مع الملائكة.
قال وهب: وخلق الله الأزمنة أربعة، شتاء وصيفًا وربيعًا وخريفًا.
قال وهب: فبسط الله الأرض بقدرته وأمسكها كيف شاء بحكمته وخضعت لعظمته ورفع السموات كيف شاء بحكمته وأدار الأفلاك بإتقان حكمه وحسن تدبيره فدار الفلك بهذه الأزمنة الأربعة فأول ما خلق الله من الأزمنة الشتاء باردًا طبًا وخلق الربيع حارًا رطبًا فكان متصلًا بالشتاء بالرطوبة مخالفًا له بالحرارة وخلق الله الصيف حارًا يابسًا فكان ملائمًا متصلا بالربيع بالحرارة مخالفًا له باليبوسة وخلق الخريف باردًا يابسًا فكان ملائمًا متصلًا بالصيف باليبوسة مخالفًا له بالبرد ولذلك زعمت الفلاسفة أن الله خلق الإنسان على خلق الأربعة الأزمنة على أربع طبائع كطبائع الأزمنة فأول طبائع الإنسان البلغم وهي مبنية الجسد وقوامه وأسكنه الأعضاء والمفاصل وعنصره الرأس وكان البلغم مضاهيًا للشتاء لبرده ورطوبته ثم خلق الدم حارًا رطبًا متصلًا بالبلغم ملائمًا له بالرطوبة
1 / 11
مخالفًا له بالحرارة مضاهيًا للربيع وخلقه سفاحًا مسكنه العروق والعصب وعنصره الكبد وهو جوهر الجسد وحياته ثم خلق الصفراء حارة يابسة متصلة بالدم ملائمة له بالحرارة مخالفة له باليبوسة وهي خادمة الجسد منضجة للغذاء مميزة له ومسكنها المعدة وعنصرها الكلى ثم خلق الله السوداء باردة يابسة متصلة لا صفراء ملائمة
باليبوسة مخالفة لها بالبرد مضاهية للخريف بالبرد واليبوسة وزعموا أنها الريح خاملة في الجسد عنصرها الطحال وأنها ميزان الجسد وأنها ضد الدم والصفراء ضد البلغم.
قالوا: وحقيق على التحرير العاقل أن يقابل الأزمنة بما يضادها من الأغذية فيقابل بالحار اليابس لأنه ضده ويقابل الربيع بالبارد واليابس لأنه ضده ويقابل الصيف بالبارد الرطب لأنه ضده ويقابل الخريف بالحار الرطب لأنه ضده وقالوا الآن كل طبيعة يهيج سلطانها في زمانها فيعدل الجسد والطبيعة باختلاف الأغذية ولا باقي مع الله.
قالوا: فوجدنا ذلك مبينًا عينًا موجودًا في الإنسان وذلك أن الجوع حار قاتل فإذا قوبل بالشبع مات الجوع وإن العطش حار قاتل فإذا قوبل بالري أمات ذا العطش فكان هذا دليلًا على غيره من الأدواء ودليلًا على غيره من الأدوية الدافعة الآفات تدفع الآفات المعينة.
قال وهب: وإن الله لما خلق الجنة حين شاء كيف شاء حيث شاء في سابق علمه وخلق النار وصار إبليس والجان إلى الجنة وهم لا يتناسلون
1 / 12
في الجنة وإن الجان تنافسوا في الجنة وطغى بعضهم على بعض وعصوا الله وسفك بعضهم دم بعض عج الملائكة إلى الله بالدعاء - قالوا سبحانك ربنا ما أحلمك وأكرمك يتقلب في نعمك من يكفر بك لم تعبد زيادة في ملكك ولم تعص مغالبة في سلطانك تمهل من أساء وتصفح عمن عصى لم تخش الفوات فإليك المصير وأنت على كل شيء قدير لا يفوتك هارب ولا ينجو منك هارب لم ينقص ملكك من عصاك ولا زاده من أطاعك أنت قبل كل شيء وأنت بعد كل شيء لم يؤدك حفظ ما خلقت فأنت بكل شيء عليم.
قال ابن منبه: فغضب الله على الجان فأوحى الله إلى جبريل أن أخرج الجان من
جواري وطهر منهم جنتي فأخرجهم جبريل من الجنة إلى أرضنا هذه فأسكنهم جزائر البحار وقفار الأرض وبقي إبليس مع الملائكة يعبد الله ثم خلق الله آدم ﵇ لما شاء كيف شاء حين شاء في سابق علمه المكنون وحكمه النافذ من أديم الأرض من سهلها وجبلها وأبيضها وأسودها وأحمرها فجمع الطين فصار صلصالًا حمأ مسنونًا فصور آدم من تلك الطينة.
قال وهب: فلذلك وجد في بني آدم اختلاف الصور للسهل والجبل واختلاف الألوان لاختلاف ألوانهم فرفع جبريل آدم إلى الجنة فلما رأته الملائكة قالوا ربنا ما هذا قال الله تعالى ﴿إني جاعل في الأرض خليفة قالوا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ وأنت أعلم ربنا ﴿قال إني أعلم ما لا تعلمون﴾ وطاف إبليس بآدم فغمه ما رأى من جماله وحسن خلقه حسدًا ثم جسه بيده فدوى آدم فقال خلق مجوفًا
1 / 13
أصبت والله فيه حاجتي ونفخ الله ﵎ الروح في آدم صلى الله عليه وعلى محمد وسلم فجال الروح في رأسه فأبصر فرأى جبريل فقال له جبريل ﵇: يا آدم وكان قد خلق الله تعالى آدم ملهمًا ثم انتشر الروح في جسم آدم فشق جوفه إلى حقويه فاستوى جالسًا فلذلك أنزل الله ﴿وخلِق الإنسان عجولا﴾ لأنه جلس قبل أن يصل الروح إلى ساقيه وفخذيه وقدميه.
قال وهب: فقال جبريل يا آدم إن الله لم يخلق بشرًا قبلك أنت أبو البشر فاشكر الله تعالى فرفع آدم بصره إلى العرش فلم يحجب عنه العرش فرأى في ساق العرش مكتوبًا بالنور (لا إله إلا الله محمد رسول الله) وكان ملهمًا للقراء فقال يا جبريل ألم تقل إني أبو البشر وهذا محمد مكتوب في ساق العرش فقال له جبريل صدقت يا آدم صدقتك هذا محمد حبيب الله أكرم البشر على الله خاتم الأنبياء من ولدك وبه تكنى يا أبا محمد له غدًا المقام المحمود وله الشفاعة واللواء والحوض
والكوثر.
قال وهب: وإن الله تعالى خلق حواء من ضلع آدم اليسرى.
قال وهب: فقال بعض أهل العلم إن الله خلق حواء من الأرض كما قال ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى﴾ قال: أولئك الأولون قال الله: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها﴾، فعطف على النفس لا على للأرض لأنه لم يسبق ها هنا الأرض قصة.
1 / 14
قال وهب: خلق حواء بيضاء نقية صافية البياض ناصعة كحلاء سوداء الأشعار وبه سميت حواء فأسكنها الله الجنة فعلم الله آدم اسم كل شيء في الجنة بكل لسان نطقت به ذريته بعده ثم قال تعالى للملائكة ﴿أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾ في قولكم، ﴿أتجعل فيها من يفسد فيها﴾، ﴿قالوا: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم﴾، ﴿قال: يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون﴾، وأمر الله تعالى الملائكة وإبليس بالسجود لآدم ﴿فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين﴾ وعتا أن يسجد لآدم وقال ﴿أتأمرني أن أسجد لمن أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين﴾ فغضب الله عليه وقال له ﴿اخرج منها فإنك رجيم وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون﴾ قال الله له ﴿إنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم﴾ قال وهب: ولم يعطه الله سؤاله ولكن أخر، لما سبق في علمه إنه يكون محنة وابتلاء لآدم وبنيه.
قال وهب: ولم يعط الله تعالى إبليس الحياة إلى يوم القيمة ولكن إلى يوم الوقت المعلوم، وهو نذر قبلته الملائكة قال الله تعالى ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون﴾ وقال قوم إنه باق إلى موت الخلق كلهم فيموت.
قال وهب: وإن الله أنزل صحيفة على آدم قال ﴿يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة
وكلا منها رغدًا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة﴾ ونهاه عن فتنة إبليس ألا يفتنه ويطغيه وإن إبليس أظهر لآدم عبادة الله رياء ثم طرقه ووسوس إليه وقال له: يا آدم أنا أحبك وأنا لك ناصح إن الله لم ينزل عليك النهاية عن هذه الشجرة إلا أن لا تكون أنت وزوجك ملكين فتكونا من الخالدين في الجنة واقسم بالله إني لكما ناصح، قالت له حواء: يا آدم هل يحلف خلق الله وهو كاذب لا يكون ذلك. فذكر آدم النهاية فأبى وإن إبليس
1 / 15
راعى أحوال آدم فلم يجده يغفل إلا عند إفاقته من نومه فلما أفاق آدم من نومه أتاه إبليس فقال له كل من هذه الشجرة يذهب عنك ما تجد من كسل ووسن وهو رأس النهي، فمد يده فأكل وأكلت حواء لما رأته أكل ثم ذكر النهاية آدم فرمى بما في يده وتفل بما في فمه وفعلت ذلك حواء وزجر آدم إبليس عن نفسه فقال له إبليس: إني برئ منك يا آدم عصيت الله، قال آدم: رب إني نسيت واستفزني عدوي عند ساعة نومي وذلك قول الله ﴿فنسي ولم نجد له عزمًا﴾ أي لم يعزل على مضغ ما في فمه ولا حبس ما في يده.
قال: ثم تطايرت عنهما حلل الجنة فعلم إنه عاص ﴿فلما بدت لهما سوآتهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾.
قال وهب بن منبه: ولما أراد الله خروج آدم من الجنة للذي سبق في علمه قال: يا آدم اخرج أنت وزوجك من جواري.
قال وهب: قال بعض أهل العلم أن إبليس ركب الحية وكانت ذات قوائم أربع حين أتى آدم ليأكل من الشجرة، قال لهم الله اخرجوا من الجنة اهبطوا إلى الأرض بعضكم لبعض عدو قال وسلبت الحية قوائمها وأخذ جبريل يجتاحه فرماه بجبل جي بخراسان.
وزعم بعض أهل العلم إنه يخرج منه الدجال في آخر الزمان فنزل آدم على جبل لبنان وقال قوم على الجودي ونزلت حواء على جبل الطور وإن آدم لما غوى
وأمره الله بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة يمسح دموعه بتلك الجوهرة
1 / 16
حتى اسودت من دموع الخطيئة وتاب الله على آدم قال الله ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عله وهدى﴾ ثم أنزل الله عليه صحيفة نزل بها جبريل كتاب من عند الله أمره أن يسير إلى البلد الحرام ويبني البيت العتيق وكيف يكون نكاح ولده وولد ولده بما يصلحهم من معاشهم وهو قول الله تعالى ﴿اهبطا منها جميعًا بعضكم لبعض عدو فأما يأتيكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾.
قال وهب: وإن آدم قال يا حبيبي يا جبريل لا أعرف البلد الحرام فأوحى الله إلى جبريل اني دليل الأدلاء دله على البلد الحرام فسار جبريل بآدم حتى أوقفه على الحرم وعلى المسجد واراه مبتدأ البيت وإن حواء وجدت رائحة الجنة من قبل المسجد الحرام عن آدم فتوجهت قبل آدم فلما رأى آدم شخصها من بعيد سعى إليها فالتقيا بعرفات فتعارفا فمن ثم سميت عرفات ثم بنى آدم البيت وتعينه حواء حتى رفع الحطيم فأمره جبريل أن يجعل فيه الجوهرة التي خرج بها من الجنة ففعل وقال هذا منسك لك ولودك من بعدك فلما تم بناء البيت أمره جبريل بقطع خشبة من المسجع بين الطائف ومكة وقال بعض الناس بل من المسجد الحرام فقطع خشبه فرفع سمك البيت وأمره بالحج إليه والصلاة وأعلمه إنه قبله له ولبنيه فأول أثر على وجه الأرض مكة وقال الله تعالى ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا﴾.
1 / 17
قال وهب: وأول ما تكاثف من الأرض وانعقد وصار أرض البيت حين كانت الأرض زبدًا ثم تكاثف المسجد الحرام حولها ثم دحى الله الأرض تحتها قال الله تعالى ﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾ مكة أم الدنيا وما فيها من أثر.
قال الذي ألف هذا الكتاب: أن أمة محمد ﵌ اختلفت في
الجنة التي اهبط منها آدم ﵇ فقالت فلاقة أن الجنة التي خرج منها آدم هي جنة من جنات الدنيا وليست جنة الخلد التي وعد الله المتقين وكذلك النار التي أوعد الكافرين ولم يخلقا وإنما يخلقان غدًا يوم الفصل واحتجوا في ذلك وقالوا أقاويل فكان ما احتجوا به أن قالوا قال تعالى ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾ فإن كانتا خلقتا فهما يهلكان بهلاك الدنيا وما فيها وقالوا قوله إلا وجهه ما أراد إلا هو كما تتقول هذا وجه الأمر وهذا وجه الحق أرادوا بوجه هنا هو الأمر وأما الأمر فما له وجه ولا قفا وهذا هو الحق وكذلك قوله لا وجهه إلا هو.
ومما احتجوا به أيضًا أن قالوا إنما سميت الدنيا لأنها دنت بجميع ما فيها من خلق الله من كل شيء مخلوق وسميت الآخرة آخرة لأنها تأخرت بعد الدنيا بجميع ما فيها فهذه الدنيا بما فيها وتلك أخرى بما فيها وليس في
1 / 18