Dawlat al-Islām fī al-Andalus
دولة الإسلام في الأندلس
Publisher
مكتبة الخانجي
Publisher Location
القاهرة
Genres
ولما شعر بظهور عبد الرحمن الأموي حاول القبض عليه، ولكن عبد الرحمن استطاع أن يتجنب المطاردة، وفر مع صحبه إلى المغرب الأقصى، وتجول حينًا في تلك الأنحاء، ولقي كثيرًا من الصعاب والخطوب، وكان يرى الموت والأسر ينذرانه في كل خطوة. وأقام حينًا متخفيًا عند شيخ من شيوخ البربر يدعى وانسوس، كانت له فيما بعد لديه حظوة، ثم نزل عند قوم من زناتة على شاطىء البحر، ولحق حينا بمليلة وغيرها، وكان أثناء تجواله يدرس أحوال الأندلس وأخبارها، ويرقب فرص العبور إليها.
وفي أواخر سنة ١٣٦ هـ (٧٥٣ م) لاحت له فرصة العمل، وقوي أمله ما علمه من اشتداد الخلاف بين المضرية واليمنية، فبعث بدرًا مولاه إلى الأندلس ليسبر غور شئونها، وليحاول بث دعوته بين أنصار بني أمية وأهل الشام، فنزل بدر بساحل إلبيرة (كورة غرناطة) وكانت منزل جند الشام كما أسلفنا، وفيها تجتمع عصبة بني أمية. وكانت رياسة الأمويين (أو المروانية) والشاميين يومئذ لزعيمين من موالي بني أمية، هما أبو عثمان عبيد الله بن عثمان وصهره عبد الله ابن خالد. فاجتمع بدر بأبى عثمان وأبلغه رسالة عبد الرحمن، وناشده العمل لنصرته، وبث دعوته بين أصدقائه وشيعته، ولاسيما بين اليمنية، وهم خصوم يوسف الفهري ومنافسوه (١). فاستجاب أبو عثمان لهذه الدعوة، وكانت بينه وبين الصميل مودة وصداقة، ففكر في التماس عونه في ذلك المشروع، وسار إليه مع عبد الله بن خالد في طليطلة، وكان الصميل قد ارتد إليها منهزمًا عن سرقسطة وفي نفسه مرارة من يوسف لأنه قصر في غوثه وإنجاده، ففاوضاه في أمر عبد الرحمن وطلبا منه العون والتأييد. ولكن الصميل أبدى ترددًا وفتورًا، واقترح أن يتزوج عبد الرحمن من ابنة يوسف، وأن ينزل آمنًا في ظله، ثم صرفهما ببعض الوعود الغامضة (٢). وكان الصميل يحرص في الواقع على أن تبقى السلطة ليوسف،
(١) يروي لنا ابن حيان قصة اتصال بدر باليمانيين على النحو الآتي: قال لهم، ما رأيكم في رجل من أهل الخلافة يطلب الدولة بكم، فيقيم أودكم، ويدرككم آمالكم؛ فقالوا: ومن لنا به في هذه الديار. فقال بدر: ما أدناه منكم، وأنا الكفيل به. ثم ذكر لهم خبر عبد الرحمن ومكان وجوده، وأنه يقدم نفسه إليهم، فقالوا: فجىء به أهلا، إنا سراع إلى طاعته، وأرسلوا بدرا بكتبهم يستدعونه (راجع الإحاطة لابن الخطيب (١٩٥٦) ج ١ ص ٤٥٣).
(٢) البيان المغرب ج ٢ ص ٤٥؛ ونفح الطيب ج ٢ ص ٦٤؛ وابن القوطية ص ٢٣.
1 / 151