Al-Qāʾid ilā taṣḥīḥ al-ʿaqāʾid

القائد إلى تصحيح العقائد

Editor

محمد ناصر الدين الألباني.

Publisher

المكتب الإسلامي.

Edition

الثالثة

Publication Year

١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.

ـ[القائد إلى تصحيح العقائد]ـ
المؤلف: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي العتمي اليماني.
المحقق: محمد ناصر الدين الألباني.
الناشر: المكتب الإسلامي.
الطبعة: الثالثة.
سنة النشر: ١٤٠٤ هـ / ١٩٨٤ م.

[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، ومذيل بالحواشي]
-أعده للشاملة: أسامة بن الزهراء؛ فريق عمل الشاملة -

1 / 1

مقدمة الناشر:
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا رسول عبده ورسوله.
أما بعد: فقد كثرت الهجمات الظاهرة والباطنة على السنة النبوية الشريفة، بأشكال متعددة منها: الواضح الصريح، ومنها الخفي الباطن، والبعض بأسماء أصحابه، وغيرها بأسماء مستعارة، لا تمت إلى الحقيقة بصلة، وجميعها تهاجم أنصار سنة محمد ﷺ بالافتراء والكذب، والحط من مكانتهم، وما ذلك - في اعتقادي - إلا من عصبيتهم لمذاهبهم وأشخاصهم وأقوالهم وأهوائهم، وذلك لأن نشر السنة الصحيحة المطهرة يفضح ما هم عليه!! والهجوم على السنة يصعب عليهم، ولذلك عدلوا إلى حامليها ومصححيها وناشريها لأنهم على كل حال أفراد من الناس.
وإن ممن فتح هذا الباب البشع، وسار على خطا أعداء السنة من السابقين والمستشرقين محمود أبو رية. وسبق وتصدى له أستاذنا العلامة عبد الرحمن بن يحيى

1 / 3

اليماني بكتابه القيم «الأنوار القائد إلى تصحيح العقائد الكاشفة» الذي سبق أن طبع باهتمام العالم السلفي الفاضل الشيخ محمد نصيف عليه رحمة الله.
غير أن نسخ هذا الكتاب نادرة الوجود مع أن الحاجة إليه ملحة، لذلك أعدت صفه، وصححت ما ند من أخطاء في طبعته السابقة.
راجيا الله سبحانه أن يرحم أستاذنا المؤلف رحمة واسعة وأن يعلي في الجنان درجته، وأن يجعلنا وإياه تحت لواء محمد ﷺ، مع الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
زهير الشاويش

1 / 4

ترجمة المؤلف:
هو العلامة المحدث الفقيه عبد الرحمن بن يحيى بن علي بن محمد المعلمي العتمي نسبته إلى بني معلم في اليمن.
ولد ونشأ في بلاد عتمه، وتعلم فيها وبعدد من بلاد اليمن، ثم أقام في عسير، وتولى رئاسة القضاة، ولقب شيخ الإسلام، ثم سافر إلى الهند، وأشرف على دائرة المعارف العثمانية، وأشرف على ما نشرت من الكتب العلمية.
ثم أقام في مكة المكرمة من سنة ١٣٧٤ هـ وعين أمينًا لمكتبة الحرم المكي، وقد خدم المكتبة خدمة جلىّ، وكان على صلة طيبة برجال الإصلاح في العالم الإسلامي.
ومن مؤلفاته " التنكيل " وقد طبعه الشيخ محمد نصيف بتصحيح أستاذنا الشيخ المحدث محمد ناصر الدين الألباني، وهو تحت الطبع، وله " الأنوار الكاشفة "، وكان له شعر جيد، وما زال الكثير من مؤلفاته والكتب التي حققها غير مطبوعة.
وله في المملكة ذرية صالحة، وكانت وفاته سنة ١٣٨٦ هـ بمكة المكرمة، وفيها دفن تغمده الله برحمته.

1 / 5

مقدمة
قال الله ﵎: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» . فاطر: آية: ١٥.
تضافر العقل والشرع على إثبات أن الله ﵎ غني عن العالمين، وأنه سبحانه الحكيم، فخلق الله تعالى الخلق وتكليفه لهم لا يكون إلا موافقًا لما ثبت من غناه سبحانه وحمده وحكمته.
وقال تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» . الذريات:٥٦
وعبادته سبحانه هي طاعته بامتثال ما أمر به ورضيه، واجتناب ما نهى عنه وكرهه، ولم يكن الغني الحميد، الحكيم العليم، ليأمر عباده إلا بما هو خير لهم، ولا لينهاهم إلا عما هو شر لهم، فإن أمرهم أو نهاهم للابتلاء فقط فطاعته نفسها خير لهم، وعصيانه شر لهم، وقد قال تعالى: «إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ» الزمر: الآية ٧، تقول العرب: لا أرضى منك بكذا، وأرضى منك بكذا. إذا كانت الفائدة للمتكلم. فإذا كانت هي للمخاطب ولكن المتكلم بكرمه ورحمته يحب الخير ويكره الشر قالوا: لا أرضى لك كذا، وأرضى لك كذا، وقال تعالى فيما قصه عن لقمان: «وَمَنْ يَشْكُرْ

1 / 7

فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ»: لقمان الآية ١٢
وفيما يخص قصة سليمان «هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ» النمل: الآية ٤٠
وقال تعالى: «وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ» إبراهيم: ٨.
وقال ﷿: «وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» العنكبوت: ٦
وفي (صحيح مسلم) وغيره عن أبي ذر ﵁ عن النبي ﵌ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا، يا عبادي كلكم ضالٌ إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسُكُم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي لوأن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، لوأن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي لوأن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أو فيكم إياها، فمن وجد خيرًا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه» .
فنستطيع أن نفهم من هذا كله أن الله ﵎ اقتضى كمال جوده أن يجود بالكمال إلى الحد الممكن، ولا يفي بهذا أن يخلق خلقًا كاملين، فإنما ذلك بمنزلة خلقهم حسان الصور، وذاك كمال يتمحض فيه الحمد للخالق من كل وجه، ولا يحمد عليه المخلوق البتة، فلا يعتد به كمالًا، وكذلك أن يخلقهم غير كاملين ويجبرهم على الكمال، فإنما الحمد منوط بالإختيار. وقريب من هذا أن يخلقهم غير كاملين ولا مجبورين وييسر لهم اختيار الكمال بحيث لا يكون فيه مشقة عليهم، فإن المخلوق إنما يحمد على اختيار الكمال حيث يكون عليه فيه مشقة، وكلما كانت

1 / 8

المشقة أشد، كان الحمد أحق والكمال أعظم (١) .
١- فصل
لنا أن نقول: أن مدار كمال المخلوق على حب الحق وكراهية الباطل، فخلق الله تعالى الناس مفطورين على ذلك، وقدر لهم ما يؤكد تلك الفطرة، وما يدعوهم إلى خلافها، ليكون عليهم في اختيار وهو مقتضى الفطرة ومشقة وتعب وعناء، ولهم في خلاف ذلك شهو ة وهوى، فمن اختار منهم مقتضى الفطرة وصبر على ما فيه من المشقة والعناء، وعما في خلافه من الراحة العاجلة واللذة استحق أن يحمد، فاستحق الكمال فناله، ومن آثر الشهو ة واتبع الهوى استحق الذم فسقط.
وفي (صحيح مسلم) من حديث أبي هريرة وأنس عن النبي ﵌ قال «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات» . وهو في (صحيح البخاري) من حديث أبي هريرة بنحوه.
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال: «لما خلق الله الجنة والنار أرسل جبريل إلى الجنة فقال: أنظر إليها، قال: فرجع إليه فقال. وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، فأمر بها فحفت بالمكاره فقل: ارجع إليها، فرجع، فقال: وعزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد، قال: اذهب إلى النار فانظر إليها، فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهو ات، فقال: وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد» (٢) راجع (فتح الباري) «كتاب

(١) يريد أن الحكمة الإلهية التي يحمد الله عليها أن يخلق عباده من الأنس في حالة نقص ويتدرج بهم إلى الكمال باختيارهم فيما كلفهم به مما يتدرج بهم إلى الكمال بأعمالهم الاختيارية، ولوخلقهم كاملين لما عاد عليهم حمد وثناء لهذا الكمال، ولوأجبرهم على الكمال لما حمدوا أيضًا على ما أجبروا عليه، فكان الحمد والثناء عليهم أن يسر لهم طريق الكمال التدريجي باختيارهم مع شيء من المشقة. محمد عبد الرزاق.
(٢) وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» . قلت: وإسناده جيد. ن

1 / 9

الرقاق» . وقال الله ﷿ «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» البقرة: ٢١٦.
وقال قبل ذلك: «أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ» البقرة:٢١٤
وقال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ. وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ» البقرة: ١٥٣ - ١٥٧
والمقصود بالابتلاء هو أن يتبين حال الإنسان، فيفوز من صبر على تحمل المشاق، ثابتًا على الحق معرضًا عما يراه في الباطل من المخارج التي تخلص من تلك المشاق أو تخففها، علمًا أن الدنيا زائلة، وأن الذي يستحق العناية هو أمر الآخرة، ويخسر من يلجأ إلى الباطل فرارًا من تلك المشاق أو من شدتها.
ولا يقتصر الابتلاء على الشدائد، بال قال الله ﷿: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ» (الانبياء: من الآية٣٥» وذلك من وجهين:
الأول: أن الإنسان كما يشق عليه الثبات على الحق عند الشدائد، فكذلكعند النعيم والرخاء، لأن النعيم يدعوا إلى التوسع في اللذات والإستكثارمن الشهو ات، والتكاسل عن الطاعات، والتكبر على الناس، وغير ذلك. وفي الصبر عن ذلك ما فيه من المشقة.
الوجه الثاني: أن من أستحوذ عليه إثار الباطل تكون الدنيا أعظم همة، فهو من

1 / 10

جهة إذا توفرت له نعم الدنيا ولم تنله مصائبها رضي عن ربه ودينه، وإذا أصابته المصائب سخط، ومن جهة أخرى يعد نعم الدنيا ومصائبها أعظم دليل على رضا الله ﷿ وسخطه، فإذا يسرت له نعم الديا ولم تنله مصائبها زعم أن الله ﷿ راضٍ عنه وعن دينه وعن عمله، وإلا زعن أن الله ﷿ ساخط عليه وعلى دينه وعلى عمله! وهذه كانت شبهو فرعون كما بينته في (كتاب العبادة) وقال الله ﵎: «فَأَمَّا الْأِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ
وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ: رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ» (سورة الفجر) .
وقال تعالى: «وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌوَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ] (هو د: ٨ - ١١) .
وقال تعلى: «لا يَسْأَمُ الْأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْأِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُودُعَاءٍ عَرِيضٍ»
(فصلت: ٤٩ - ٥١) .
وقال سبحانه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ» (الحج: ١١)
وأقرأ من سورة (الفرقان) - ٧ - ١١ ومن سورة (الزخرف) - ٣١ - ٣٥
والإنسان لا يكره الحق من حيث هو باطل، ولكنه هو يحب الحق بفطرته، ويحب الباطل لهواه وشهو ته، ومدار الفوز أو الخسران على الإيثار، قال الله ﵎: «فَأَمَّا مَنْ طَغَى. وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى. وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى. فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى» (النازعات - ٣٧

1 / 11

- ٤١) ولك أن تقول: أن الله ﵎ في جانب، والهوى في جانب، وقد قال تعالى: «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا. أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» (الفرقان: ٤٣ - ٤٤) وقال تعالى: «أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ» (الجاثية: ٢٣) .
... وفي الحديث: «حبك الشيء يعمي ويصم» . (١) وقال البريق الهذلي:
أين لي ما ترى والمرء تأبى ... عزيمته ويغلبه هواه
فيعمي ما يرى فيه عليه ... ويحسب ما يراه لا يراه
٢ - فصل
الدين على درجات: كف عما نهي عنه، وعمل ما أمر به، واعتراف بالحق، واعتقاد له وعلم به. ومخالفة الهوى للحق في الكف واضحة، فان عامة ما نهي عنه شهو ات ومستلذات، وقد لا يشتهي الإنسان الشيء من ذلك لذاته، ولكنه يشتهيه لعارض. ومخالفة الهوى للحق في الاعتراف بالحق من وجوه:
الأول: أن يرى الإنسان أن اعترافه بالحق يستلزم اعترافه بأنه كان على باطل، فالإنسان ينشأ على دين أو اعتقاد أو مذهب أو رأي يتلقاه من مربيه ومعلمه على أنه حق فيكون عليه مدة، ثم إذا تبين له أنه باطل شق عليه أن يعترف بذلك، وهكذا

(١) أخرجه أبو داود وغيره عن أبي الدرداء مرفوعًا. وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف. ن

1 / 12