Thawrat Shicr Hadith
ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحاضر (الجزء الأول) : الدراسة
Genres
أما التصورات والأفكار نفسها فهي أشبه بتفجرات تنبثق عنها المخيلة لا تحدث من مقطوعة إلى مقطوعة فحسب، بل من بيت إلى بيت، وقد تتم أحيانا في داخل البيت الواحد، فتضيف إلى البعد والضراوة بعدا أشد، وضراوة أقسى وأمر. أما الصور فهي فيما بينها غير متماسكة؛ ما من صورة منها تخرج بالضرورة من الصورة السابقة عليها أو تؤدي إلى الصورة اللاحقة لها، حتى ليستطيع الإنسان أن يبدل في ترتيب المقطوعات كيفما يشاء، أو يستبدل بعضها بالبعض الآخر. ويزيد من حدة هذا كله أن بعض الصور تنشأ عن امتزاج الأضداد المتباعدة، والتوحيد بين أشياء لا يمكن التوحيد بينها من الناحية الواقعية والموضوعية كالجمع بين الجميل والقبيح، وبين العفونة القذرة والفتنة المعطرة، أو استخدام بعض الاصطلاحات الفنية الغربية، وفي مقدمتها اصطلاحات الملاحة البحرية. وكأنما يشير هذا كله إلى العماء المختمر داخل إطار ثابت من التراكيب اللغوية المتينة.
ومع ذلك يبدو أن هذا العماء لا يخلو من التنظيم والترتيب.
إن اتجاه الحركة هنا - كما أكدنا من قبل - أهم بكثير من الصور أو المضمونات المتحركة نفسها، وحركية القصيدة أو ديناميتها، هي التي تتيح للصور أن تظهر مفككة كيفما تشاء ووقتما تشاء، لأنها هي التي تحمل الحركات المستقلة بنفسها. أما هذه الحركات فتسير في خطوات ثلاث: الاندفاع والتمرد، الانطلاق إلى اللامتناهي غير المحدود، السقوط في الهدوء الذي يتبع التحطم والدمار. وهذه الخطوات أو الحركات الثلاث لا تسري على «السفينة السكرى» وحدها، بل تصدق كذلك على شعر رامبو كله. إن «العماء» الذي ذكرناه كثيرا في مضموناته يستعصي في معظم تفاصيله وجزئياته على التفسير، ومع ذلك فالوسيلة الوحيدة لتفسيره - إن لم يكن لفهمه - هي النفاذ إلى اتجاه حركته، ومحاولة إدراك هذا الاتجاه بدلا من الوقوف عند الصور التي تحمله؛ ولذلك لم يكن غريبا أن يصبح هذا الشعر في معظمه شعرا تجريديا، أي أنه يضحي بالقيمة الواقعية لمضموناته بل يحطمها إلى حد الغموض والإلغاز لصالح حركته الخالصة. ولا بد من إدراك هذه المسألة إذا أردنا أن نجد مدخلا للشعر الحديث أو على الأقل لجانبه الأكبر الذي يتصل بنموذج شعر رامبو من قريب أو بعيد.
إن الخطوات أو الإيقاعات الثلاث التي ذكرنا أن شعر رامبو يسير عليها تمثل علاقته بالواقع وبالحقيقة المتعالية في آن واحد. تغيير الواقع بل تحويره وتشويهه، انطلاق إلى الآفاق الشاسعة البعيدة، خيبة أمل في نهاية المطاف، حين تجد الذات أن الواقع ضيق يكاد يخنقها، وأن المتعالي فارغ لا يستطيع أن يرضيها. وقد لا نجد تعبيرا عن هذا كله أفضل من تعبير رامبو نفسه حيث يقول «أسرار دينية أو طبيعية، موت، ميلاد، مستقبل، ماض، خلق العالم، عدم» (ص213). وفي نهاية الحلقة نجد العدم. •••
وإليك الآن قصيدة «السفينة السكرى» التي أرجو أن تصبر على قراءتها (كما صبرت على نقلها!).
عندما هبطت مع الأنهار العصية
أحسست أن ملاحي تخلوا عني:
كان ذوو الجلود الحمراء قد سددوا حرابهم إليهم،
وسمروهم، وهم يصرخون، عرايا إلى الأوتاد الملونة.
لم يعنني أمر البحارة أجمعين،
Unknown page