Al-Thuluthān al-akhīrān min al-thamarāt
الثلثان الأخيران من الثمرات
[الثمرات]
التاسع: قوله تعالى:
{والله على كل شيء قدير}
يعني في نصرة رسوله ، وأنه تعالى يغنيه عن نصرتكم، وفي هذا تهديد، وقد ورد الخبر عنه : ((من سمع واعيتنا أهل البيت ثم لم يجب كبه الله في نار جهنم)) الواعية: الصارخة، ذكره في الصحاح، ولعله أراد هنا الدعوة؛ لأنها كالصارخة لتجاب.
قوله تعالى:
{إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا}
أراد بقوله - عليه السلام- لصاحبه وهو أبو بكر، وقد استدل على عظيم محل أبي بكر من هذه الآية، من وجوه:
منها قوله: {إذ يقول لصاحبه} وقوله: {لا تحزن} وقوله: {إن الله معنا} وقوله: {فأنزل الله سكينته عليه}
قيل: على أبي بكر عن أبي علي والأصم.
قال أبو علي: لأنه الخائف المحتاج إلى الأمن، وقيل: على الرسول عن الزجاج، وأبي مسلم.
قال جار الله: وقد قالوا: من أنكر صحبة أبي بكر فقد كفر؛ لأنه رد كتاب الله.
قوله تعالى:
{وجعل كلمة الذين كفروا السفلى}
أي : دينهم ، ولقائل أن يقول في ذلك دلالة على أنه لا يخلون في إظهار شعارهم.
قوله تعالى:
{انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة}.
النزول: قيل: نزلت في المتخلفين عن (1) غزوة تبوك من المنافقين، وقيل:بل استأذنه جماعة من المنافقين في التخلف فنزلت.
Page 1
وعن مجاهد: لما أمروا بالنفير قالوا: فينا الثقيل، وذو الحاجة فنزلت، وذكر الأصم قال: لما نزلت الآية جاء ابن أم مكتوم وقال: يا رسول الله أعلي جهاد؟ فقال : ((ما أنت إلا خفيف أو ثقيل)) فرجع ولبس سلاحه وجاء فوقف بين يدي رسول الله وأنزل الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج}.
قال الحاكم: إنما وجه آخر الآية إلى المنافقين مع أولها في المسلمين؛ لأنهم كانوا يظهرون الإسلام فأجرى عليهم حكم المؤمنين وعرف حالهم ليتحرز من مكابدتهم.
وثمرة الآية :
وجوب الجهاد والنفير عند دعاء الرسول على الجميع من الخفيف والثقيل.
قيل: الخفاف الشباب، والثقال الشيوخ، عن أنس والحسن، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وعكرمة، ومقاتل، وأبي علي.
وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل، عن الحكم.
وقيل: خفافا من المال وثقالا منه، عن أبي صالح، وقيل: نشاطا وغير نشاطا عن ابن عباس وقتادة وأبي مسلم.
وقيل: ركبانا ومشاة عن عطية العوفي، وأبي عمرو، وقيل: ذا ضيعة وغير ضيعة، وقيل: من أصحاء ومرضى.
وقيل: أخفاء من السلاح وثقالا به، واختلف المفسرون هل في الآية نسخ أم لا؟ فقيل: إن فيها نسخا بقوله تعالى: {ليس على الأعمى حرج}.
وعن ابن عباس: نسخ النفير على الضعيف بقوله تعالى في هذه السورة{ليس على الضعفاء ولا على المرضى}.
وقيل: لا نسخ فيها، ذكره القاضي ابن أبي النجم في كتابه: (التبيان).
قال عبد الله بن الحسين في قول من قال إن فيها نسخا :إن هذا قول مدخول فاسد، وهي ناسخة غير منسوخة، وأنها مؤكدة بوجوب الجهاد على الثقيل والخفيف وأنها رادة لقول من قال: إن فينا الخفيف والثقيل.
وقال في الكشاف: وعن صفوان بن عمرو كنت واليا على حمص فلقيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك، فرفع حاجبيه وقال: يابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا إلا أنه من يحبه الله يبتليه.
Page 2
وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب إلى الغزو وقد ذهب إحدى عينيه، فقيل له: إنك عليل صاحب مرض فقال: استنفر الله الخفيف والثقيل، فإن لم يمكنني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع.
ولكن كلام المفسرين في قوله: {ليس على الضعفاء} إلى آخرها أن الأعذار المذكورة مسقطة لوجوب الجهاد على أهلها إشارة إلى نسخ هذه أو تأويلها.
وقوله تعالى:
{وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم}
دلت على وجوب الجهاد بالنفس والمال.
أما بالنفس فذلك ظاهر وسيأتي بيان من رخص له.
وأما بالمال فقد أفادت وجوب الجهاد بالمال ، والآيات متظاهرة بذلك مثل قوله تعالى في هذه السورة: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.
وقوله تعالى في سورة الصف: {هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم}.
قال الحاكم: والجهاد بالمال ضروب،
منها: إنفاقه على نفسه في السير إلى الجهاد.
ومنها: صرف ذلك إلى الآلات التي يستعان بها على الجهاد.
ومنها: صرفه إلى من ينوب عنه أو يخرج عنه.
قال جار الله: وقد دلت على وجوب الجهاد بهما إن أمكن أو بأحدهما.
وقد ذكر المؤيد بالله أن من له فضل مال وجب عليه أن يدفعه إلى الإمام إن دعت إليه حاجة.
وذكر المنصور بالله وجوب دفع ما دعت إليه الحاجة من الأموال في الجهاد قليلا كان أو كثيرا، ويتعين ذلك بتعيين الإمام.
وأما من طريق الحسبة فقال المنصور بالله: يجب ذلك إن حصل خلل لا يسده إلا المال، وذكره الهادي في مسائل الطبريين.
قال محمد بن أسعد: والمشهور من المذهب أن ذلك إنما يكون إلى الإمام.
Page 3
واعلم أنه يدخل في هذا إلزام الضيفة وإنزال الدور [وتنزيل الدور]، وقد قال المنصور بالله: للإمام أن يلزم الرعية الضيافة على ما يراه من المصلحة.
وروى الفقيه محمد بن سليمان عن المؤيد بالله أن للإمام إنزال جيشه دور الرعية، إذا لم يتم له الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالجند، واحتاجوا إلى ذلك، كما يجوز دخول الدار المغصوبة لإزالة منكر، وكذا ذكر أبو مضر أنه ينزل في الزائد على حاجة أهل الدار وروى الأستاذ عن المؤيد بالله أنه لا يجوز .
واعلم بأن الجواز مشروط بأن لا تعرف عدوان من ينزل في الدار من جيشه بظلم أو فساد، فإن عرف ذلك عورض بين مطلب الإمام في دفعه المنكر وبين هذا المنكر الواقع من الجند أيهما أغلظ ذكر نظير هذا صاحب قواعد الأحكام.
وأما المذهب (1) ..............
فائدة: وإن لم يتمكن الإمام من أخذ المال إلا بالإرصادات التي يفعلها الظلمة من القتالات.. (2)........
وقوله تعالى:
{لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة}
العرض متاع الدنيا.
قال - عليه السلام-: ((الدنيا عرض حاضر، يأكل منه البر والفاجر)) والقاصد القريب الذي لا مشقة فيه، والشقة: المسافة، وهذا تأكيد لوجوب الجهاد، سواء عرف حصول الغنيمة أم لا، وسواء أقربت المسافة أم بعدت.
قوله تعالى:
{عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين}
في هذه الآية دلالة على أنه لا يجوز للإمام التقصير في النظر، ويجب عليه الفحص فيما يصدره من الأحكام، وذلك لأن الله تعالى لما أوجب النفير على الخفيف والثقيل، استأذنه المنافقون، واعتذروا بمعاذير غير صادقة، فأذن لهم بترك النفير لظنه صدق معاذيرهم فلم يكن بإذن من الله تعالى.
Page 4
قال في الحاكم عن قتادة وعمر: شيئان فعلهما رسول الله من غير استئذان: إذنه للمنافقين وأخذ الفدية من الأسارى، فعاتبه الله تعالى، وكان ذلك صغيرة من النبي - عليه السلام- ؛ لأن قوله تعالى: {عفا الله عنك} دلالة على الخطيئة، وكذلك قوله: {لم أذنت} وقيل: لم يكن ذنبا ولكن تركا للأفضل، فالمعنى لم أذنت بترك الأفضل.
وقوله تعالى: {عفا الله عنك} جيء به لتعظيمه كما يقال: عفا الله عنك ما صنعت في حاجتي ، والأول عن أبي علي وغيره.
وقوله تعالى: {حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين} يعني بالوحي أو بالفحص، والمراد فإذا تبين لك الذين صدقوا فلك أن تأذن، إن قيل: إذا كانت المعاذير صادقة سقط النفير عنهم من غير استئذان فكان الإذن منه لا يفيد ؟ ولعل جوابه أن إذنه - عليه السلام- بيان لإذن الله،
وقد قال المنصور بالله في المهذب من ترك الجهاد مع الإمام، واعتل بأنه يعين بالمال، أو أنه قد وقع له إذن من الإمام سقطت عدالته وحكم بخطئه، فحصل من هذا وجوب الفحص على الإمام، وأن إذنه لا يفيد من لا عذر له، ومن كان له عذر استغنى عن إذن الإمام.
قوله تعالى:
{لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون}.
ثمرة ذلك:
التحريض على الجهاد والمدح على من حرص عليه، وذم من حاص عنه ، وذلك لأنه تعالى بين حال المؤمنين وشدة حرصهم على الجهاد بأنه ليس من عادتهم الاستئذان وهو طلب الإذن، لكن للمفسرين في معنى ذلك قولان:
الأول: محكي عن ابن عباس والأصم وأبي علي.
Page 5
قال الحاكم: وأكثر المفسرين أن المراد لا يستأذنونك في القعود وترك الجهاد بالمعاذير الكاذبة كما كانت عادة المنافقين.
والثاني: أن المراد لا يستأذنونك في الجهاد تملقا بل يكتفون بالدعاء العام، عن أبي مسلم.
وقوله تعالى: {إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله} فيه المعنيان، ابن عباس ومن معه في القعود، وأبو مسلم في الخروج للجهاد تملقا.
تنبيه: يقال عادة عدة من الفضلاء طلب استطابة نفوس الأئمة لطلب الإذن من الإمام في التأخر أو ترك الهجرة فهل لذلك من فائدة أو الأفضل ترك ذلك؟
ولعل الجواب والله أعلم على ما يفهم من كلام المفسرين أن ذلك لا يفيد مع عدم العذر، ومع العذر هو مستغن عن الإذن، وقد تقدم قول المنصور بالله في هذا، وإنما تكون فائدته كشف العذر واستطابة نفس الإمام، واستعلاما له، هل العذر الذي طلب الإذن لأجله عذر في رأي الإمام أم لا؟
قال جار الله: وكان الخلص من المهاجرين والأنصار يقولون: لا نستأذن النبي أبدا، ولنجاهدن معه بأموالنا وأنفسنا.
قوله تعالى:
{ولو أرادوا الخروج لاعدوا له عدة ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولاوضعوا خلالكم}
من هذه الآية الكريمة نقتطف ثمرات هي أحكام شرعية:
الأولى: من قوله: {لأعدوا له عدة} وذلك أن عدة الحرب من الكراع والسلاح، وجميع ما يستعان به على العدو من جملة الجهاد فما صرف في المجاهدين صرف في ذلك، وهذا جلي فيما يتقى به من نكاية العدو،كالدروع والمجان وما ينكى به العدو من السلاح والنبال.
Page 6
فأما ما يحصل به الإرهاب من الرايات والمراوح والطبول ونحو ذلك مما يضعف به قلب العدو فهو داخل في الجهاد، وقد قال تعالى في سورة الأنفال: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم} ويكون ذلك كلباس الحرير حالة الحرب، وهذا جلي حيث لا يؤدي إلى السرف والتشبه بالفساق نحو استعمال الملاهي.
الثانية: أن الفعل يحسن بالنية، ويقبح بالنية، وإن استويا في الصورة؛ لأن النفير واجب مع نية النصرة، وقبيح مع إرادة تحصيل القبيح، وذلك لأن الله تعالى أخبر أنه كره انبعاثهم لما يحصل منه من إرادة المكر بالمسلمين.
الثالثة: أن للإمام منع من يتهم بمضرة المسلمين أن يخرج للجهاد فله نفي الجاسوس والمرجف والمخذل، والمعنى :ولو أرادوا الخروج لتأهبوا له بالعدة.
وقوله تعالى: {ولكن كره الله انبعاثهم} وذلك لأن خروجهم للفساد قبيح، والأمر بالنفير الذي أمر به تعالى، حيث يخلو عن القبيح.
وقوله تعالى: {فثبطهم} أي : خذلهم وضعف رغبتهم في الانبعاث.
وقوله تعالى: {وقيل اقعدوا مع القاعدين}.
قال جار الله :جعل الله تعالى إلقاء الكراهة للخروج في قلوبهم أمرا بالقعود.
وقيل: هو قول الشيطان بالوسوسة.
وقيل: هو قولهم لأنفسهم.
وقيل: هو إذن رسول الله لهم في القعود.
فإن قيل: لم خطأ رسول الله في الإذن بالقعود والخروج قبيح؟
قيل: التخطئة في الإقدام بغير إذن (1) .
وقوله تعالى: {إلا خبالا} الخبال: هو الشر والفساد.
Page 7
وقوله تعالى: {ولأوضعوا خلالكم} الإيضاع الإسراع، يقال: أوضع البعير وضعا إذا أسرع، والخلال جمع خلل، وهو الفرجة بيين الشيئين، وجمعه خلال، كجمل وجمال، والمعنى لا تسرعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين.وقيل: المعنى لا تسرعوا فيما يخل بكم.
وقرأ ابن الزبير: ولأرقصوا من رقصت الناقة رقصا إذا أسرعت -بالقاف- وهي قراءة شاذة، وقرئ في الشاذة أيضا ولأوفضوا.
قوله تعالى:
{ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا}
قيل: نزلت في المنافقين.
وقيل: في الجد بن قيس من المنافقين، قيل: قال للنبي : قد علم قوم أني مغرم بالنساء، وإني أخشى إن رأيت بنات بني الأصفر-يعني بنات الروم- أن لا أصبر فلا تفتني بهن، فأذن لي في القعود، وأنا أعينك بمال فاعرض عنه رسول الله وقال: ((أذنت لك)) وهذا فيه تأكيد أن من طلب القعود لعذر لا يعذر له، فإذن الإمام لا يفيد.
قوله تعالى:
{ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى}.
قال جار الله-رحمه الله-: قرأت في بعض الأخبار أن رسول الله كره للمؤمن أن يقول: كسلت؛كأنه ذهب إلى هذه الآية، فإن الكسل من صفات المنافقين فما ينبغي للمؤمن أن يسنده إلى نفسه.
وقوله تعالى:
{إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا}
قيل: بالسبي والغنيمة، وقيل: بالمصائب.
وقيل: المعنى لا تعجبك في الحياة الدنيا، فإن بالله يريد أن يعذبهم بها في الآخرة، وفي الآية دلالة على أن الكافر مخاطب بالواجبات.
قوله تعالى:
{ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون}.
نزلت في ابن ذي الخويصرة رأس الخوارج، كان رسول الله يقسم غنائم حنين فقال له: اعدل يا رسول، فقال: ((ويلك، إن لم أعدل فمن يعدل)).
Page 8
وقيل: في ابن أبي الحواظ (1) من المنافقين، وقيل: غير ذلك. وفي تعقيب هذا بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} إشارة إلى أن من خرج عن أهل الصدقات لا يعطى لأجل لمزه إن لم يعط، فيتفرع على هذا أن من خاف الإمام من أذاه لم يكن من أهل الصدقات، والله أعلم.
قوله تعالى:
{إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن
السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم}.
اعلم أن ثمرات هذه الآية متكاثرة وهي منقسمة إلى ما قد خصص وخرج عن دلالة الظاهر، وإلى ما هو باق على دلالة اللفظ، ونحن نتبع ذلك شيئا فشيئا بمشيئة الله، ونترجم ذلك بنكت.
النكتة الأولى: تتعلق بقوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} وهذا اللفظ بعمومه يجمع الصدقة الواجبة، والصدقة التي هي نافلة، ثم إن الصدقة الواجبة تتنوع أنواع:
منها: الزكوات بما هو العشر، أو نصف العشر، أو ربع العشر، أو زكاة المواشي، والفطرة.
ومنها: الكفارة: نحو كفارة اليمين والظهار، والصلاة والصوم، وما يتعلق بالحج من الفداء والجزاءات، والكفارات.
ومنها: ما يجب صرفه من المظالم، واللقطة، ومنها ما يؤخذ من أموال الكفار ورؤوسهم، ولهذا سم الله تعالى الغنائم صدقة في سبب نزول الآية، وذلك في قسمة غنائم حنين، فإذا كان هذا اللفظ يعم ما ذكر فهل تحمل الآية على عمومها في قسمتها على ما ذكر أو يخص البعض.
واعلم أن الكلام يتعلق بطرفين:
الأول: في عموم الصدقات.
والثاني: ذكر المصارف.
Page 9
فالذي يفيده إطلاق اللفظ: أن جميع الصدقات تشترك فيها الأصناف الثمانية، كما لو قال قائل: ما بيدي من المواشي لزيد وعمرو وبكر وخالد، فإن جميع ما بيده من أصناف المواشي يكون بين المذكورين أرباعا.
وقد اختلف المفسرون فقيل: أراد الزكوات، وقيل: الصدقات عموما.
واعلم أن العلماء - رضي الله عنهم - قد قسموا الصدقات وجعلوا مصارفها مختلفة، فالكفارة لم يذكروا أنها تصرف في الثمانية المصارف، وقد ورد قوله: {إطعام عشرة مساكين} و{فإطعام ستين مسكينا} وورد قوله : ((في فدية الصوم أطعم عن كل يوم مسكينا)) وورد قوله تعالى في سورة البقرة: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} وورد في الفطرة قوله : ((أغنوهم في هذا اليوم)) .
وقد حكى السيد يحيى في كتابيه: (الجوهرة) و(الياقوتة) أنه لا يجوز التأليف بها عند القاسم والهادي وأبي طالب ,ويجوز ذلك عند المنصور بالله.
وورد في الغنيمة قوله تعالى: {أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه}
فيقال: هل هذه الأدلة مخصصة لعموم لفظ الصدقات، وأن الزكوات مجمع عليها في أن مصرفها الثمانية الأصناف؟ أم كيف تنزيل الأدلة على القواعد الأصولية........... (1)
وأما ذكر المصارف فقد قلنا: ظاهر اللفظ بالقسمة بين الثمانية الأصناف ويؤيد هذا وجهان:
الأول: ما يقتضيه اللفظ اللغوي أن الواو للجمع والاشتراك.
Page 10