732

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

والكافر منها كالصفة البهيمية في طلب الغذاء من المأكول والمشروب، فإنها لا تتبدل بضدها وكالاستغناء عن الأكل والشرب؛ لحاجة الجسد إلى الغذاء لبدل ما يتحلل من الجسد، والمسلم: كالصفة السبعية والشيطانية من الغضب والكبر والعداوة والكذب والخيانة، فإنها تحتمل أن تتبدل بضدها من الحلم والتواضع والمحبة والصدق والأمانة عند استنارة النفس بنور الإسلام وترشح نور الإيمان عن القلب وانشراح الصدر بنور ربها، وهذه الصفات وغيرها من صفات النفس ما لم تتبدل بالكلية أو لم تكن مغلوبة بأنوار صفات القلب، ففيها بعض النفاق كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الكذب والخيانة وخلف الوعد والغدر من النفاق، فقال:

" من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا أؤتمن خان، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها ".

قوله تعالى: { ومن أهل المدينة } [التوبة: 101] يعني: مدينة القلب وأهلها صفاته، { مردوا على النفاق } [التوبة: 101] وذلك باستيلاء صفات النفس على صفات القلب عند تصرف أنوار القلب عند تصرف ظلمات النفس وأوصافها فيها، فيظهر فيها النفاق مذبذبة بين إيمان الصفات الحميدة وكفر الصفات الذميمة لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، { لا تعلمهم نحن نعلمهم } [التوبة: 101] يعني: لا يعرف هذه الأحوال أرباب علوم الظاهر، ويعرفها أصحاب الكشوف الباطنة، { سنعذبهم مرتين } [التوبة: 101] مرة بأحكام الشريعة، ومرة بآداب الحقيقة؛ أي: نعذبهم بتكاليف أوامر الشرع ونواهيها ونعذبهم عن الأخلاق الذميمة بدقائق تربية الطريقة عند الانفطام عن مألوفات الطبيعة.

{ ثم يردون } [التوبة: 101] بجذبات اللطف والقهر، { إلى عذاب عظيم } [التوبة: 101] عند فناء أوصافهم بتجلي العزة عن صفات اللطف والجمال، وإلى عذاب عظيم عند بقاء أوصافهم بالستر وإسبال حجبها للجلال طردا وبعدا عن حضرة الجمال.

{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم } [التوبة: 102] أي: القلب وصفاته اعترفوا بذنوب شوب صفات النفس والتلوث بها، { خلطوا عملا صالحا } [التوبة: 102] وهو صدق التوجه في طلب الحق والإعراض عن الباطل، { وآخر سيئا } [التوبة: 102] وهو مطاوعة النفس وهواها في بعض الأوقات، { عسى الله أن يتوب عليهم } [التوبة: 102] أي: يوفقهم للرجوع إلى الحق بالكلية والإعراض عما سواه، { إن الله غفور } [التوبة: 102] يستر بكرمه صفات القلوب، { رحيم } [التوبة: 102] يمحو بماء رحمته لوث شهوات النفوس.

{ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } [التوبة: 103] يشير إلى أن حب المال نجاسة تنجس القلوب وتغطيها، فيتطرق إليها الشيطان ويلقي فيها الطغيان، ومن هذا ينفتح عليها أبواب العصيان وتندرج إلى الأسفل بالاستدراج والخذلان، فلا تنحسم مادة هذا الفساد إلا بتطهر القلب بأنوار الهمة العلية النبوية وتنويره بنور صلاة الرسول صلى الله عليه وسلم كما أمر بقوله تعالى: { وصل عليهم إن صلوتك سكن لهم } [التوبة: 103] أي: موفية لسكون القلوب إلى العبودية وطمأنينتها بأنس الربوبية؛ إذ بنور الصلاة تزول عن القلوب ظلمات ركونها إلى الدنيا ويظهر سكونها إلى المولى.

{ والله سميع } [التوبة: 103] يسمع اعتراف القلوب بالذنوب وتوبتها، ويجيب دعاء الرسول في تزكيتها وتطهيرها، { عليم } [التوبة: 103] بتجلية القلوب بأنوار الغيوب بعد تزكيتها عن دنس الفضول، { ألم يعلموا } [التوبة: 104] أرباب الذنوب من أصحاب القلوب، { أن الله هو يقبل التوبة عن عباده } [التوبة: 104] أي: علموا؛ لأنهم شاهدوا في قلوبهم آثار قبول التوبة بصدق الأوبة.

{ ويأخذ الصدقات } [التوبة: 104] يشير به إلى خلوص النية في الإعطاء وعلو الهمة وفسحة الرجاء أي: المعطي ينبغي ألا يظن أنه يعطي الصدقة إلى الفقير وبها يمن عليه، فتبطل صدقته بالمن، ويعلم أنه يعطي إلى الله تعالى؛ لأنه الآخذ، فلا يرى الفقير بل يرى الله سبحانه وتعالى، فيرجوا الثواب والجزاء منه لا من غيره، وفي هذه الآية رجاء عظيم أنه تعالى يقبل التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات، ولولا هذا الكرم واللطف ما نجا أحد من قهره، { وأن الله هو التواب الرحيم } [التوبة: 104] هو الموفق للتوبة بلطفه وكرمه، ولولا توفيقه ما تاب مذنب قط كما لا يتوب إبليس؛ لعدم التوفيق { الرحيم } بعباده بأن يمحو آثار ظلمة الذنوب عن القلوب بنور رحمته.

[9.105-110]

ثم أخبر عن ظهور الأحوال بصدور الأعمال بقوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } [التوبة: 105] يشير إلى أن عمل المحسن يخلص إلى السماوات بقدر قوة صدقه وإخلاصه، فالله تعالى يراه بنور ألوهيته، وروح الرسول صلى الله عليه وسلم يراه بنور نبوته، وأرواح المؤمنين بنور إيمانهم، فاستعلاء ذلك النور وصفاؤه وضوؤه يكون على قدر علو همة المحسن وخلوص نيته وصفاء طويته، وإن لعمل المسيء ظلمة تصعد إلى السماوات بقدر قوة عقليته وخباثة نفسه، فإنه تعالى يراها وروح رسوله وأرواح المؤمنين، { وستردون } [التوبة: 105] بأقدام أعمالكم.

Unknown page