725

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[9.83-86]

{ فإن رجعك الله إلى طآئفة منهم } [التوبة: 83] أي: من المخلفين، وإنما قال إلى طائفة لأن طائفة من المخلفين ثبتوا على نفاقهم، وطائفة منهم تابوا ورجعوا عن كفرهم ونفاقهم؛ فالمعنى: إن رجعك الله إلى طائفة منهم من الذين ثبتوا على النفاق ولم يتوبوا.

{ فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا } [التوبة: 83] يشير إلى أن استئذانهم للخروج أو قتالهم العدو من النفاق فلا تقبل منهم، فإن الله لا يقبل منهم، فإن قيل: كانت أعمال المنافقين من الشهادة والصلاة والزكاة والصيام والحج والجهاد مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وإن لم تكن مقبولة عند الله تعالى فكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

" نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر "

فما كانت الحكمة في أن الله تعالى أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقبل من المخلفين أعمالهم من الخروج معه والقتال مع العدو، وغير ذلك قلنا: الحكمة في ذلك الله أعلم: أن المنافقين لما كانوا يظهرون الإسلام والائتمار بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم مع ما يضمرون من الكفر والنفاق فكانت أعمالهم مقبولة عند النبي صلى الله عليه وسلم، وسرائرهم مركونة إلى الله تعالى؛ طمعا في إنابتهم ورجوعهم من النفاق إلى الوفاق، فلما أظهروا ما كانوا يضمرون من النفاق، وخالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتخلفوا عنه وقعدوا عن الجهاد ورضوا به وأصروا على كفرهم ونفاقهم، وما ندموا على ما فعلوا فأشير إليهم { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين } [التوبة: 83] وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن لا يقبل منهم أعمالهم المشوبة بالنفاق، وقيل له: { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } [التوبة: 84] ماتوا يؤمنون بك ولا بصلواتك إنها حق ودعائك أنه صدق.

{ إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون } [التوبة: 84] لأنهم خارجون عن الاستعداد الفطري؛ لقبول الإيمان، { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم } [التوبة: 85]؛ يعني: إن الأموال والأولاد وإن كانت نعمة مني في حق المؤمنين فإنها نعمة مني في حق الكافرين والمنافقين، { إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا } [التوبة: 85] بأن يجعلها مباعدا لقلوبهم عن الله وطلبه، ويجعلها بينهم وبينه أشد عذاب من الحجاب كما قال بعضهم: اللهم مهما عذبتني بشيء فلا تعذبني بذل الحجاب؛ وذلك لأنه من عذب بالحجاب فقد حرم عن الإيمان كما قال تعالى: { وتزهق أنفسهم وهم كفرون } [التوبة: 85] مستور والقلب بحجاب حب المال والأولاد.

ثم أخبر عن أمارات أهل النفاق وعلامات أهل الوفاق بقوله تعالى: { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم } [التوبة: 86] إلى قوله:

ذلك الفوز العظيم

[التوبة: 89] يشير إلى أن من أمارات النفاق الفتور والقصور لأرباب القلب القعود عن الجهاد والركون إلى الدنيا وشهواتها وميلان الطبع إلى السفليات والرضاء بالمنازلة إلى المراتب الدنية الخسيسة كما أخبر عنهم.

وقال تعالى: { وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين } [التوبة: 86] عن الطلب والجهاد.

Unknown page