Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
الإشارة فيه قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم } يشير إلى استكمال الأوصاف الأربعة التي بها قوام الإنسان من النباتية والحيوانية والشيطانية كما مر ذكرها في الآيات المتقدمة؛ يعني: مهما كملت النفس هذه الصفات بها تصير مشركة؛ لأن بهذه الأوصاف تميل إلى الدنيا وزخارفها وتعبد الهوى والشيطان، { فاقتلوا المشركين } أي: النفوس المشركة بسيف الصدق وقتلها في نهيها عن هواها ومنعها عن مشتهاها واستعمالها على خلاف طبعها وضد طبيعتها.
{ حيث وجدتموهم } [التوبة: 5] يعني: في الطاعة والمعصية، فقتلها في الطاعة بملازمتها ومداومتها عليها، وفي المعصية بنظافتها عن مشاربها فيها وإعجابها بها وتحصيلها إياها، { وخذوهم } [التوبة: 5] بآداب الطريقة، { واحصروهم } [التوبة: 5] والجأوهم إلى حصار الحقيقة.
{ واقعدوا لهم كل مرصد } [التوبة: 5] يشير إلى مراقبة أحوال النفوس وشد طرف خيلها، أي: ارقبوا مقرها ومهربها، { فإن تابوا } [التوبة: 5] رجعوا إلى الله ورجعت النفوس عن هواها إلى طلب الحق تعالى، { وأقاموا الصلوة } [التوبة: 5] أي: داومت على العبودية والتوجه الحق، { وءاتوا الزكوة } [التوبة: 5] عن أوصافها الذميمة، { فخلوا سبيلهم } [التوبة: 5] عن مفلسات الشدائد بالرياضات والمجاهدات؛ ليعملوا بالشريعة بعد الوصول إلى الحقيقة، فإن النهاية هي الرجوع إلى البداية، { إن الله غفور } [التوبة: 5] يستر بصفاته الراجعين إليه، { رحيم } [التوبة: 5] بإقباله إليهم لحصولهم لديه.
{ وإن أحد من المشركين } [التوبة: 6] يعني: من مشركي النفوس يشير إلى إحدى صفات النفوس، { استجارك } [التوبة: 6] بالقلب يعني: بعض صفات النفس إن مال إلى جوار القلب، ويرغب في نوع من العبودية وترك ما هو المخصوص به من الصفات الذميمة، { فأجره حتى يسمع كلام الله } [التوبة: 6] حتى يلهم بإلهام الله ويميز به الفجور والتقوى، فتتزكى عن الفجور وتتحلى بالتقوى، { ثم أبلغه } [التوبة: 6] بالإخلاص والاجتهاد، { مأمنه } [التوبة: 6] وهو دار الجذبة الإلهية، وإن الجذبة إذا تعلقت بصفة من صفات النفس تنجذب النفس بجميع صفاتها من سطوة جذبة الحق، فإن بطش ربك لشديد، { ذلك بأنهم } [التوبة: 6] يعني: النفس وصفاتها، { قوم لا يعلمون } [التوبة: 6] الله والطاعة فلا يقبلون إليه ويعلمون الدنيا وشهواتها فيرغبون إليها.
{ كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله } [التوبة: 7] يشير إلى مشركي النفوس كيف يكون، إما ثبات على العهد الذي عاهدت الله تعالى يوم الميثاق على أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا من الدنيا والآخرة، وذلك أن النفس ما دامت حية باقية على صفاتها الذميمة غير المبدلة بالحميدة، ولا يمكنها العبودية الخالصة من قرب الطمع في المقاصد الدنيوية والأخروية؛ لأنها خلقت من السفليات وجبلت ميالة إلى الدنيا وشهواتها ولذاتها بالطبع وإن صقل الطبع الطمع بالتزكية عنها وآل إلى الصلاح أمرها وتخلقت بالأخلاق الروحانية، فحينئذ تميل من الشهوات الدنيوية الفانية إلى شهوات نعيم الجنة الباقية كقوله تعالى:
وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين
[الزخرف: 71].
{ إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام } التوبة: 7] وهو مقام الوصول الذي حرام على أهل الدنيا والآخرة وهو مقام أهل الله خاصة، فإن النفس إذا تنورت بالأنوار المنعكسة من تجلي صفات الجلال والجمال لمرآة القلب تفنى عن أوصافها المخلوقية وتبقى بالأنوار الخالقية، فيثبتها الله على العهد بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة محفوظة عن خصائصها، { فما استقاموا لكم } [التوبة: 7] عن الصراط المستقيم فتصهر بالدين القويم، { فاستقيموا لهم } [التوبة: 7] على مهادنة النفوس من ترك جهادها بشدائد فتك الطريقة وسرح في رياض متسع الشريعة، { إن الله يحب المتقين } [التوبة: 7] أي: النفوس المتقية بالله عما سواه.
ثم أخبر عن خصوصية النفوس، وإنها لا تصلح للثبات على الاستقامة، وأنها غير مأمونة عنها فقال: { كيف وإن يظهروا عليكم } [التوبة: 8] إلى قوله:
لعلهم ينتهون
Unknown page