561

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[القمر: 55]، فلأجل الفرقة مدى ومنتهى ولأجل الوصلة لا مدى ولا منتهى وإنما قال تعالى مسمى لأن وقت الوصلة مسمى عنده، وهو حين يجذب إليه بجذبة

ارجعي إلى ربك

[الفجر: 28]، فلأيام الوصلة ابتداء، وهو حين تطلع شمس التوحيد عن شرق القلوب إلى أن تبلغ حق شراء الوحدة، ثم شروق فلا غروب لها { ثم أنتم تمترون } [الأنعام: 2]، يا أهل الوصلة كما يمترون أهل الفرقة هذا محال جدا.

ثم أخبر عن مرام وجههم بقوله تعالى: { وهو الله في السموت وفي الأرض } [الأنعام: 3]، إلى قوله: { يستهزءون } [الأنعام : 5]، والإشارة فيها أنه هو الله في سماوات القلوب وفي أرض النفوس { يعلم سركم } [الأنعام: 3]، الذي أودع فيكم وهو سر الخلافة الذي اختص به الإنسان لقبول الفيض الإلهي { وجهركم } [الأنعام: 3]؛ أي: ما هو ظاهر منكم من الصفات الحيوانية والأخلاق النفسانية { ويعلم ما تكسبون } [الأنعام: 3]، باستعمال الاستعداد السر والجهر والمأمورات والمنهيات من الخير والشر، وقد خص الإنسان بهذا الكسب أيضا من الملك والحيوان، فإن الملك لا يقدر أن يكسب من الصفات الحيوانية شيئا، ولا الحيوان قادر على أن يكسب من الصفات الملكية شيئا والإنسان متصرف في هاتين الصفتين، وله اكتساب التخلق بأخلاق الله، بالتقرب إلى الله بأداء ما فرض عليه والتزام النوافل واجتناب النواهي إلى أن يصير خير البرية، وأيضا أن يكتب من الشر ما يصير به شر البرية، فيكون من أحواله ما أخبر عنه.

وقال تعالى: { وما تأتيهم من آية من آيت ربهم } [الأنعام: 4]، في الآفاق وفي أنفسهم من المعجزات والكرامات والإلهامات { إلا كانوا عنها معرضين } [الأنعام: 4]، وذلك لإقبالهم على الدنيا وزينتها وشهواتها، فصاروا كأنعام فكسبوا ما صاروا به من جملته بل هم أضل، وذلك لأن لأنعام ما كذبوا بالحق وأنهم { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم } [الأنعام: 5]، فتكذيب الحق صاروا أضل من الأنعام { فسوف يأتيهم } [الأنعام: 5]، في الدنيا والآخرة { أنباء ما كانوا به يستهزءون } [الأنعام: 5]، أما في الدنيا فقد استهزءوا بأقوال الأنبياء والأولياء وأحوالهم يعميهم الله، ويعمي أبصارهم فلا يهتدون إلى الحق ولا إلى حقيقته سبيلا، وأما في الآخرة فيعذبهم بعذاب القطيعة والبعد والحرمان والخلود في النيران.

[6.6-11]

ثم أخبر عن أحوال أمثالهم بقوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن } [الأنعام: 6]، والإشارة فيها أن المكذبين والمستهزئين بأرباب الطلب وأهل الحق ألم يروا كم أهلكنا أرواح المكذبين والمستهزئين من قبلهم من قرن لشؤم ذنوبهم واستهزائهم { مكنهم في الأرض } [الأنعام: 6]، في طلب الحق وقهر النفس ونهي الهوى، وترك الدنيا وإقامة الطاعات وإدامة الخيرات { ما لم نمكن لكم } [الأنعام: 6]، أيها المكذبون منها شيئا { وأرسلنا السمآء } [الأنعام: 6]؛ أي: مطر الواردات من سماء القلوب { عليهم مدرارا } [الأنعام: 6]، متواليا متعاقبا { وجعلنا الأنهار } [الأنعام: 6]؛ أي: مياه الحكمة { تجري من تحتهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من تحت نظرهم، { فأهلكنهم } [الأنعام: 6] مع هذه المقدمات { بذنوبهم } [الأنعام: 6]؛ أي: أهلكنا أرواحهم بعد أن تمكنوا من أموالنا واستغنوا بزاهد نوالنا، فوطنوا على كواذب المنى قلوبهم وطلبوا من الدنيا محبوبهم، ففتحنا عليهم من مكامن التقدير بسوء التدبير فشربوا من كؤوس الذنوب سموم القلوب، فإن الذنوب سمومها كما أن الطاعات له حباتها { وأنشأنا من بعدهم } [الأنعام: 6]؛ أي: من بعد إعراضهم عن الحق وإتباعهم الهوى وهلاك أرواحهم بطلب الدنيا واستيفاء لذاتها وشهواتها { قرنا آخرين } [الأنعام: 6]، من الطلاب الصادقين المخلصين التائبين المستقيمين في الطلب.

ثم أخبر عن حرمان أهل الخذلان بقوله تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس } [الأنعام: 7]؛ أي: قوله: { ما يلبسون } الإشارة فيها أن من أعرض عن الحق، وأقبل على الدنيا وشهواتها يعمى له قلبه فلا يشاهد الآيات، وإن جعلته في كسوة الصورة، قال تعالى: { ولو نزلنا عليك كتبا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا } [الأنعام: 7]، بالإعراض عن الحق { إن هذآ إلا سحر مبين } [الأنعام: 7]؛ لأن الله تعالى قد أعمى أبصارهم التي يبصرون الحق بها فما ازدادوا من ظهور الآيات إلا تماديا في الباطل وإنكارا على الحق، { وقالوا لولا أنزل عليه ملك } [الأنعام: 8]، وهذا الاعتراض من نتائج الإعراض وما تغني الشرح عن عمى بعد البصيرة { ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر } [الأنعام: 8] أي: لقضي أمر النبوة بين الإنسان والملك وآل أمرها إلى الملك وليست النبوة من شأنه، وإنما خص بها الإنسان.

ولهذا قال: { ولو جعلنه ملكا } [الأنعام: 9]، يخاطبكم وتخاطبونه، { لجعلنه رجلا } [الأنعام: 9]، لاحتياج أن لبسه لباس البشرية حتى تسمعوا خطابه وكلامه، وهو يكون واقفا على ابتلاء الإنسان من أحوال البشرية، فيكلمهم من حيث ما هم عليه ويعالجهم بما يرى في صلاح حالهم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كالطيب، فينبغي أن يكون من جنس من يعالجه، كما قال تعالى:

ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم

Unknown page