493

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ وقد نزل عليكم في الكتب } [النساء: 140]؛ أي: في كتاب العهد يوم الميثاق { أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها } [النساء: 140]؛ أي: النفوس وأربابها، { فلا تقعدوا } [النساء: 140]، الخطاب للقلوب وأربابها { معهم } [النساء: 140]؛ أي: مع النفوس؛ أي: لا تصاحبوهم ولا توافقوهم في شيء من أهوائهم، { حتى يخوضوا في حديث غيره } [النساء: 140]، فإن تفعلوا أيها القلوب وأربابها، { إنكم إذا مثلهم } [النساء: 140]، مثل النفوس وأربابها؛ يعني: يكون القلب كالنفس، وصاحب القلب كصاحب النفس بالصحبة والمخالطة والمتابعة، { إن الله جامع المنفقين والكفرين في جهنم جميعا } [النساء: 140]؛ لأنهم كانوا في عالم الأرواح في صف واحد، وفي الدنيا بذلك التناسب والتعارف في فن واحد، وقال: صلى الله عليه وسلم

" كما تعيشون تموتون، وكما تموتون تحشرون "

، فافهم جيدا.

ثم أخبر عن أخلاق أهل النفاق بقوله تعالى: { الذين يتربصون بكم } [النساء: 141]، إشارة فيها: إن المنافقين الذين يتربصون بكم، { فإن كان لكم فتح من الله } [النساء: 141] من الفتوحات الدنيوية، { قالوا ألم نكن معكم } [النساء: 141] طمعا فيه لما حرموا علو الهمة في الدين وعدموا خلوص العقيدة في علم اليقين تربصوا للفتوحات الدنيوية، وذهلوا عن الفتوحات الأخروية والحضرية؛ وهي { فتح من الله } [النساء: 141]؛ يعني: ما يفتح الله للناس من رحمة ومن فتوحات الغيب وشواهد الحق حتى { وإن كان للكافرين نصيب } [النساء: 141] من الدنيا والمرادات الدنيوية { قالوا } [النساء: 141]؛ لخسة عقلهم ودناءة همتهم وقصورهم { ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين } [النساء: 141]، طاروا بأجنحة الأطماع والخذلان عن إنكار الإيمان إلى منازل الكفر ودركات النيران، ثم يؤدي بأنهم أهل الملامة، { فالله يحكم بينكم يوم القيامة } [النساء: 141]؛ ليعلم من أهل العزة والكرامات، ومن أهل العزة والندامات، { ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا } [النساء: 141]، فإن وبال كيدهم إليهم مصروف، وجزاء مكرهم عليهم موقوف، والحق من قبل الحق سبحانه وتعالى منصور أهله، والباطل بنصر الحق محيت أهله.

[4.142-145]

ثم أخبر عن أمارات المنافقين وعلامات المخادعين بقوله تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو } [النساء: 142]، إشارة في الآيتين: أن المنافقين غنما يخادعون في الدنيا؛ لأن الله { خادعهم } [النساء: 142] في الأزل عند رش نوره على الأرواح، وذلك أن الله تعالى خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فلما رش نوره أصاب الأرواح المؤمنين وأخطأ أرواح المنافقين والكافرين، ولكن الفرق بين المنافق والكافر أن المنافقين رأوا رشاش النور وظنوا أنهم يصيبهم فأخطأهم، وأرواح الكافرين ما شاهدوا ذلك الرشاش ولم تصبهم، فإن المنافقين خدعوا عند مشاهدتهم الرشاش إذا ما أصابهم، فمن نتائج مشاهدتهم الرشاش { وإذا قاموا إلى الصلاة } [النساء: 142]، من نتائج حرمانهم إصابة النور، { قاموا كسالى يرآءون الناس } [النساء: 142]، كأنهم يراؤونهم النور { ولا يذكرون الله إلا قليلا } [النساء: 142]؛ لأنهم يذكرونه بلسان الظاهر القالبي لا بلسان الباطن القلبي، والقالب من الدنيا وهي قليلة قليل ما فيها، والقلب من الآخرة وكثيرة كثير ما فيها، فالذكر الكثير من لسان القلب كثير، والفلاح في الذكر الكثير لا في القليل، كقوله تعالى:

واذكروا الله كثيرا

[الأنفال: 45]؛ أي: بلسان القلب

لعلكم تفلحون

[الأنفال: 45]، ولما كان ذكر المنافقين بلسان القالب كان قليلا كلما أفلحوا به، وإنما كان ذكر المنافق بلسان الظاهر؛ لأنه شاهد رش النور ظاهرا من العبد ولم يصبه، فلو كان أصابه ذلك النور لكان صدره منشرحا به، كما قال تعالى:

Unknown page