Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī
التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي
{ إنه على رجعه لقادر } [الطارق: 8]؛ يعني: أن الله قادر على رجعه { لقادر } إلى أصله إن لم يعطه حقه، فالواجب عليك أيها المريد، أن تغتنم نزول اللطيفة الإرادية في قلبك وتربيها أحسن مما يربي أحد ولده العزيز؛ لأن ذلك الولد عدو لك وفتنة لك، وهذا الولد مبارك عليك حبيب لك يوصلك إلى حضرة ربك { يوم تبلى السرآئر } [الطارق: 9] يظهر لكل أحد في ذلك اليوم سر هذا الولد العزيز ويندم على تقصيره في تربيته ولا ينفعه الندم.
[86.10-17]
{ فما له من قوة } [الطارق: 10] أن يشتغل سيده بتربيته { ولا ناصر } [الطارق: 10] أن ينصره على استرضائه إذ أذنه بالرجوع ليربيه حق تربية، ثم يقسم بالقوة التي أودعها في سماء الصدر بأن تمطر على رحم القالب ماء الرحمة لينعقد نطفة اللطيفة الإرادية، ويقول: { والسمآء ذات الرجع * والأرض ذات الصدع } [الطارق: 11-12]؛ أي: أرض القالب التي أودع فيها سر الربوبية؛ لتتصدع وتأخذ الماء وتنبت منه الشجرة الطيبة التي هي اللطيفة الإرادية.
{ إنه لقول فصل } [الطارق: 13]؛ أي: هذا الذي أنزلنا عليك لقول حق يفصل بين الحق والباطل { وما هو بالهزل } [الطارق: 14]؛ يعني: هذا قول جد صدق لا لغو ولا هزل إن كنت تشتغل بتربية هذه اللطيفة الإرادية تصل إلى مرتبة الولاية، وإن كنت تهمل حق هذه اللطيفة وتقصر في تربيتها تعذب عذابا أليما، { إنهم يكيدون كيدا } [الطارق: 15]؛ يعني: القوى الطبيعية يكيدون ألا تبلغ الرجال هذه اللطيفة مبلغ الرجال لئلا تسلط عليهم، { وأكيد كيدا } [الطارق: 16]؛ يعني: استدرجهم من حيث يكيدون وأعد لهم بما يكيدون، { فمهل الكافرين } [الطارق: 17]؛ أي: مهل القوى الطبيعية الكافرة أياما قلائل؛ ليعمروا دركاتها ويشعلوا نيرانها، { أمهلهم رويدا } [الطارق: 17]؛ يعني: أنظر لهم ولا تستعجل؛ لكي يتمتعوا ويلههم الأمل فيأخذهم أخذ بغتة، وتعد لهم بما كادوا باللطيفة الإرادية عذابا شديدا؛ وهو عذاب الاطلاع على عرش اللطيفة وما أودع الله لصاحبها من النعيم المقيم والملك العظيم في جنة قلبها، ونحشرهم على فوات الاستعداد الذي يمكن ترتيبها.
اللهم وفقنا لتربية اللطيفة الإرادية المثمرة نور الولاية بحق محمد صاحب الهداية صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.
[87 - سورة الأعلى]
[87.1-9]
يا مسبح سبح أولا لجاري اسمه ربك اشتغل بذكر الله حتى يطهر لسانك عن الغيبة والكذب والفحش والنميمة وما شاكلها، يستحق أن يكون مسبحا لله ولا يمكن حصول تطهير اللسان إلا باسم الرب فلأجل هذا قال في كتابه: { سبح اسم ربك الأعلى } [الأعلى: 1] [من أن] يجري على لسان ملوث، والاسم الأعلى هو الله، والذكر الأفضل لا إله إلا الله ولأجل هذا السر اختار المشايخ الذين عرفوا الطريق على وجه التحقيق وهم طبقة أستاذ الطريقة الجنيد البغدادي - قدس سره - للسالكين الذين دخلوا في الطريقة، وجاهدوا في تطهير القلب؛ لينزل سلطان ذكر الرب فيه لا إله إلا الله، وإذا طهرت صورة الذكر صورة لسانك، وطهرت معاني الذكر حقيقة جنانك عرفت الرب وسبحته حق التسبيح، وعلمت أنه خلقك من العناصر الأربعة فسواك في أعدل الأمزجة ليصلح أن يكون مركبا للروح الإضافي، وقدر أقوات القوى الروحانية من نفحات ألطاف الرب، وأقوات القوى الجسمانية من التدبيرات السماوية النازلة إلى أرض القالب، وهدى كل قوة إلى قوتها المقدرة كما قال في كتابه: { الذي خلق فسوى * والذي قدر فهدى * والذي أخرج المرعى } [الأعلى: 2-4]؛ يعني: أخرج مرعى الروح من ثدي الخفي كما أخرج مرعى الجسم من ثدي البطن { فجعله غثآء } [الأعلى: 5]؛ أي: هشيما مذللا للأطفال، ونور البصيرة في سواد الخفي، ولين المعرفة والتربية الجسمانية والروحانية { أحوى } [الأعلى: 5]؛ يعني: بحكمته جعل رأس الثديين أسود لأنه أودع نور البصر في سواد العين، ونور البصيرة في سواد الخفي، ولين المعرفة والتربية في الثديين المصبوغين بصبغ السواد الذي ليس بعده لون في تحقيق هذا السر قرع باب حد القرآن.
{ سنقرئك فلا تنسى } [الأعلى: 6] يقول الله تعالى للطيفة الخفية: سنقرئك من بيان الحدود فلا تنسى حقيقة أبد الدهر { إلا ما شآء الله } [الأعلى: 7]؛ لأنه حكيم رحيم يعلم أن الأسرار التي هي مدرجة في الحدود لو تكشف على أحد يحترق العقل ويبطل نظام العالم السفلي، { إنه يعلم الجهر وما يخفى } [الأعلى: 7] إنه يعلم ظاهر القرآن وباطنه، ويعلم قوة ظاهرك وباطنك ومقدرا تحمله معاني الظهر والبطن، فعلى قدر ما تكون قوتك نقرأه عليك ويثبت في قلبك بحور ما لك طاقة في حملها.
{ ونيسرك لليسرى } [الأعلى: 8]؛ أي: نهون عليك حمل ما أثبت في لوحك وقرأته والعمل به، { فذكر } [الأعلى: 9] القوى القالبية والنفسية، والسرية والقلبية، والروحية والخفية، { إن نفعت الذكرى } [الأعلى: 9]؛ يعني: إن كنت تذكر ما قرأت على لوحك فما عليك أن ينفع لهم الذكرى أو لا ينفع وعليك الوعظ والإبلاغ.
Unknown page