1514

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

[الفرقان: 70]، { كذلك العذاب } [القلم: 33]؛ يعني: هكذا يكون العذاب، فينبغي أن يخالف السالك من مثل هذه الواقعة الهائلة ويرجع إلى الله رغبة ورهبة، { ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون } [القلم: 33]؛ لأن الرجوع في الآخرة إلى عالم الكسب غير ممكن، وفي هذه الواقعة التي رأى السالك إذا انتبه ويرجع إلى الله منيبا تائبا يقبل الله توبته ويبدل الله سيئاته حسنات، فإن لم يلتفت إلى هذه الواقعة الهائلة، ويظن أنها من قبيل الخيالات أو غلبة خلط السوداء يعذب في الآخرة بمثل هذه الواقعة الهائلة، وأشد منها دائما أبدا بعد نزع الآلات والأدوات عنه.

{ إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم } [القلم: 34]؛ يعني: الذين اتقوا ربهم متاع الحياة الدنيا، واجتنبوا عنها لهم عند ربهم جنات النعيم من كل ما اشتهت أنفسهم، { أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم كيف تحكمون } [القلم: 35-36]؛ يعني: نجعل القوى المؤمنة كالمجرمة، لو تظنون أيتها القوة المجرمة هذا منا ساء ما تظنون وجود ما تحكمون، وظنكم بالدهر مخطئ؛ لأنا خلقناكم لتكونوا باقين أبد الآباد مظاهر اللطف والقهر، فكل من كان مؤمنا مسلما فهو مظهر اللطف يتنعم أبد الآباد، ومن كان مشركا مجرما فهو مظهر القهر يتألم أبد الآباد، { أم لكم كتاب فيه تدرسون } [القلم: 37]؛ يعني: هذا الظن منكم بأن دين الدهر عن حق أم من عند أنفسكم، أم من كتاب جاء من الحق أنتم درستم فيه، { إن لكم } [القلم: 38] بعد الجزم { فيه } [القلم: 38]، في ذلك الكتاب { لما تخيرون } [القلم: 38] لما تختارون وتشتهون، { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون } [القلم: 39]؛ يعني: عاهدناكم وأعطيناكم مواثيق إلى يوم القيامة، { إن لكم لما تحكمون } [القلم: 39]؛ أي: يفعل بكم كما تشاءون وتختارون لأنفسكم بعد افتراق الجزم في دار الكسب.

هذا خطاب مع السالك الذي يتضرع ويبتهل بعد هذه الواقعة ويتمنى أن يكون له بعد هذه الواقعة أحوال حسنة، ولا يفطن بأن نكبته من غفلته وترك الاقتداء لمقتداه، فبقول الله تعالى لمقتداه { سلهم أيهم بذلك زعيم } [القلم: 40]؛ يعني: أيتها اللطيفة الهادية المهدية سلي عنهم من الكفيل لكم بأن الله يعطي لكم الأحوال السنية، { أم لهم شركآء } [القلم: 41]؛ يعني: لهم أرباب غير الله، إن غضب ربكم، أربابكم يشفعون لكم عنده! { فليأتوا بشركآئهم إن كانوا صادقين } [القلم: 41]؛ يعني: يأتوا بشفعائكم منهم، { يوم يكشف عن ساق ويدعون } [القلم: 42]؛ يعني: يكشف الغطاء عن شدة، { ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون } [القلم: 42] السجود؛ لأنهم استكبروا في دار الكسب عن التذلل للرب، والانقياد للطيفة المبلغة والاقتداء بمقتداهم بقوا مطيعين ظهور عن غاية استكبارهم وإبائهم الحق.

[68.43-52]

{ خشعة أبصرهم } [القلم: 43]؛ أي: ذليلة مهينة ينظرون إلى وجوههم المظلمة المكدرة و[أنوفهم] المسودة، { ترهقهم ذلة } [القلم: 43]؛ يعني يغشاهم ذل الندامة، وغضبة الحسرة، وهوان الفضيحة، { وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سلمون } [القلم: 43]؛ يعني: في دار الكسب عند سلامة استعداداتهم يدعون إلى طاعة الحق، وتذليل النفس بالانقياد لأمر اللطيفة المرسلة إليهم أبوا وطغوا وعتوا، وكذبوا اللطيفة المبلغة { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث } [القلم: 44]؛ يعني: دعني ومن يكذب بالوارد { سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } [القلم: 44]؛ أي: يمهلهم قليلا في رزق مكاشفاتهم النفسية ليزدادوا في إنكار اللطيفة، ويفتروا ببعض الكرامات التي هي عين المكر مما يقدر العدو على إتيان مثلها مثل المرور على الماء، والطيران في الهواء، والإسراف على الخواطر حتى يظن أنه عند الله من المكرمين، وينكر المقتدى فيأخذهم بغتة، وينزع منهم الآيات والأدوات، ويكشف عليهم أحوال زرعهم وحرثهم فصاروا عارفين بالمقتدى متحرين على فوات الوقت وضياع الاستعداد معذبين أبد الآباد، { وأملي لهم إن كيدي متين } [القلم: 45]؛ يعني: مهلتي في تلك المكاشفات والكرامات كان من كيد المتين القوي، { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون } [القلم: 46]؛ يعني: اللطيفة المبلغة يسأل عن إبلاغها الأحكام أجرا يثقل عليهم ولم يطيعون، { أم عندهم الغيب فهم يكتبون } [القلم: 47]؛ يعني: أم عندهم كتب الغيب فهم يكتبون منها.

{ فاصبر لحكم ربك } [القلم: 48] أيتها اللطيفة المبلغة؛ يعني : اصبري على أذاهم وتكذيبهم لكن { ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم } [القلم: 48]؛ يعني: لا تكن ضجرا ولا تستعجل بالدعاء على قواك قبل نزع الآلات والأدوات عنها فربما يهتدون إلى طريق الحق، ويتوبون إلى الله ويتركون الغفلة، والكظم من أشرف الأخلاق، والصبر على الكظم أمر الدواء وأنفع لداء الحادث من الغيب والضجر.

{ لولا أن تداركه نعمة من ربه } [القلم: 49]؛ يعني: لولا أن أدركته الداخلة في النون { لنبذ بالعرآء } [القلم: 49]؛ أي: طرح بالفضاء في جوف الحوت بالولاية الحيوانية النباتية وكان محروما من نعمة النبوة النونية، { وهو مذموم } [القلم: 49] يذم ويلام بنزوله وبانحطاطه من مرتبة النبوية والولاية، وهذا سالك دعا على أممه على سبيل الضجارة بالعجلة وقت عروجه على معارج قلبه، ثم أخذ منه آلات الترقي بدعائه على أممه وطرح في جوف حوت الصدر فبقي فيه بحيث لا تزيد مرتبته ولا يترقى من حاله، وهذه حسرة عظيمة للسالك ولو ألهم في قلب السالك أنك وصلت إلى سدرة المنتهى منتهيك وأعطيت درجات جميع المقربين وليس لك الترقي بعد هذه المرتبة ينبغي أن يعري نفسه بنزع الآلات والأدوات عنها ووقوفها في مرتبتها؛ لأن المراتب الإنسانية والدرجات النفسانية غير منتهية إذا دخل السالك في عالم اللاهوت كل ساعة ونفس ولمحة لا يترقى فيها السالك من مقامه فهو مغبون كما قال صلى الله عليه وسلم:

" من استوى يوماه فهو مغبون كل الغبن "

، من رضي بالدون وكل ما سوى الحق فهو دون، فاحذر عن الهمة الدنية وعليك بالهمة العلية، كما قال سلطان العارفين طيفور البسطامي - قدس سره - ليحيى بن معاذ الرازي حين سأله عن فضلات وارده الذي ورد عليه ليلة من الليالي وجاءه يحيى ورآه في تلك الحالة فقام وراءه من إقباله إلى السحر وهو على تلك الحالة فلما أفاق والتفت سلم يحيى عليه وقال: أفض ما أفاض الله عليك، فقال: لو أعطاك الله درجات جميع الأنبياء والأولياء لا تقنع بها ولا تسكت عن الطلب؛ لأن عنده أكثر منها لا يتناهى أبد الآبدين ودهر الداهرين، { فاجتباه ربه } [القلم: 50]؛ يعني: اصطفاه بنعمة النبوة التي أعطاه إياها، { فجعله من الصالحين } [القلم: 50]؛ يعني: من اللطيفة المستخلفة عن الأباطيل الصالحة لدعوة الأمم.

{ وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر } [القلم: 51]؛ يعني: إذا أرادوا القوى الحاسدة ليحسدوا بالوارد والذي يرد عليك، ويزلقونك بأعينهم لما عظموا أمرك { ويقولون إنه لمجنون } [القلم: 51] لبعض القوى الجاهلة فاستعذ بالله منهم، وتيقن أنك لست بمجنون، والوارد الذي يرد عليك ما هو إلا ذكر وموعظة وغيرة لقواك، كما يقول الله تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين } [القلم: 52]، فيا أيها الطالب تفسير بطن القرآن ينبغي أن تطلع أولا على ظهر القرآن، ويستقيم ظاهرك على أوامره ونواهيه، ثم تشتغل ثانيا بتطهير باطنك لتفهم بطن القرآن بتعليم الرحمن وإلهام الملك الديان، وتطلع على معرفة حده ثالثا في عالم الجنان، وتشرف بمشاهدة مطلعه رابعا من غير ظن وحسبان، وهو المستعان وعليه التكلان، اللهم ثبتنا على متابعة حبيبك سيد الإنس والجان صلى الله على آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الفرقان.

Unknown page