1447

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

{ ولا تجعلوا مع الله } [الذاريات: 51] في المعرفة بوحدانية { إلها آخر } [الذاريات: 51] من النفس والهوى والدنيا والآخرة، فتعبدوها بالميل إليها والرغبة بها، فإن التوحيد في الإعراض عنها وقطع تعلقاتها والفرار إلى الله منها؛ لأن من صح قرآن إلى الله صح قرآن مع الله وهذا إكمال فإنه التوحيد، لا يغفر أن يشرك به.

ثم أخبر عن عادة ساداتهم في الكفر بقوله تعالى: { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون } [الذاريات: 52]، يشير إلى أرباب النفوس المتمردة من الأولين والآخرين، مركوزة في جبلتهم طبيعة الشيطانية من التمرد والإباء والاستكبار، فما أتاهم رسول من الأنبياء في الظاهر، ومن الإلهامات الربانية في الباطن إلا أنكروا عليه، وقالوا: { ساحر } [الذاريات: 52] يريد أن يسحرنا، { أو مجنون } [الذاريات: 52] لا عبرة بقوله: { أتواصوا به } [الذاريات: 53]، كأن بعضهم بالتمرد والإنكار والجحود؛ لأنهم خلقوا على طبيعة واحدة،، { بل هم قوم طاغون } [الذاريات: 53] بأنهم وجدوا أسباب الطغيان، وهي: السعة والتنعم والبطر والغنى.

{ فتول عنهم } [الذاريات: 54]، فإنك لا تهدي من أحببت منهم، { فمآ أنت بملوم } [الذاريات: 54]، في العجز عن هدايتهم؛ لأنك تبلغ وليس إليك من الهداية شيء.

[51.55-60]

{ وذكر } [الذاريات: 55]، فإن حرفتك أن تكون مذكرا، كما قال تعالى:

فذكر إنمآ أنت مذكر

[الغاشية: 21]، { فإن الذكرى تنفع المؤمنين } [الذاريات: 55]، الذين من الله عليهم أن هداهم للإيمان، فذكر العاصين منهم عقوبتي؛ ليرجعوا عن مخالفة أمري، وذكر المطيعين جزيل نوالي؛ ليزدادوا طاعة وعبادة لي، وذكر المحبين ما شاهدوا من أنوار جمالي وجلالي في الغيب وغيب الغيب؛ ليزيدوا في بذل الوجود وطلب المفقود.

{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]؛ لأن ذرة معرفتي مودعة في صدق عبوديتي، وإن معرفتي تنقسم قسمين: معرفة صفات جمالي ومعرفة صفات جلالي، ولكل واحدة منهما مظهر، والعبودية مشتملة على المظهرين بالانقياد لها والتمرد عنها، فمن انقاد لها بالتسليم والرضاء كما أمر به، فهو مظهر صفات جمالي ولطفي، ومن تمرد عنها بالإباء والاستكبار، فهو مظهر صفات جلالي وقهري، فحقيقة قوله: { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } [الذاريات: 56]؛ أي: خلقت المقبولين منهم؛ ليعبدوا الله فيكونوا مظهر صفات لطفه، وخلقت المردودين منهم؛ ليعبدوا الهوى فيكونوا مظهر صفات قهره، هذا المعنى الذي أردت من خلقهم { مآ أريد منهم من رزق } [الذاريات: 57] يحصلونه بكسبهم { ومآ أريد } [الذاريات: 57] منهم { أن يطعمون } [الذاريات: 57]؛ يعني: ما خلقتهم لمصلحة من مصالح الدنيا يختص بها؛ وإنما خلقتهم مختصين بأن يكونوا مظاهر صفات لطفي وقهري ومظهرهما.

{ إن الله هو الرزاق } [الذاريات: 58] بجميع الخلائق، { ذو القوة المتين } [الذاريات: 58] في خلق الأرزاق والمرزوقين، { فإن للذين ظلموا } [الذاريات: 59]، من أهل القلوب على قلوبهم، بأن جعلوها ملوثة بحب الدنيا بعد أن كانت معدن محبة الله مع { ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم } [الذاريات: 59] من أرباب النفوس بجميع صفاتها؛ لأن القلب إن صلح صلح به سائر الجسد، وإذا فسد فسد به سائر الجسد { فلا يستعجلون } [الذاريات: 59] في إفساد القلب { فويل للذين كفروا } [الذاريات: 60] بنعمة ربهم في إفساد القلب، { من يومهم الذي يوعدون } [الذاريات: 60] بإفساد سائر صفات الجسد.

[52 - سورة الطور]

Unknown page