1416

Al-Taʾwīlāt al-Najmiyya fī al-tafsīr al-ishārī al-ṣūfī

التأويلات النجمية في التفسير الإشاري الصوفي

وهذا كما قال الجنيد: لو أقبل صديق على الله ألف سنة، ثم أعرض عنه لحظة فإن ما فاته أكثر مما ناله، { أفلا يتدبرون القرآن } [محمد: 24]، فإن فيه شفاء من كل داء؛ ليقضي بهم إلى حسن العرفان، ويخلصهم من سجن الهجران، { أم على قلوب أقفالهآ } [محمد: 24]، أقفل الحق على قلوب أهل الهوى، فلا يدخلها زواجر التنبيه، ولا ينبسط عليها شعاع العلم، ولا يحصل لهم فهم الخطاب، وإذا كان الباب مقفلا فلا الشك والإنكار الذي فيها يخرج، ولا الصدق واليقين الذي هم يدعون إليه يدخل في قلوبهم.

وبقوله تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } [محمد: 25]، يشير إلى الذي يطلع فجر طلبه، ويتلألأ نور التوحيد في قلبه، ثم قبل سوغ نهار إيمانه تغيم سماء قلبه من منشأ نزعات الشيطان وتسويلاته، وانكسف شمس طلبه، وأظلم نهار عرفانه، ودجى ليل سكره، وغابت نجوم عقله؛ فحدث عن بحر ظلماتهم ولا حرج.

[47.26-29]

{ ذلك } [محمد: 26]؛ أي: ذلك التراجع { بأنهم } [محمد: 26]؛ أي: بأن القلوب لما مالت إلى النفوس وذاقت من مشاربها، { قالوا للذين كرهوا ما نزل الله } [محمد: 26]، من الواردات وهم النفوس، { سنطيعكم } [محمد: 26] نوافقكم { في بعض الأمر } [محمد: 26] من حب الرئاسة وقبول الخلق، { والله يعلم إسرارهم } [محمد: 26] عاملهم بحب تغير أحوالهم وزيغ قلوبهم، كما قال الله تعالى:

فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم

[الصف: 5] فسدت بصائرهم وغطت أسرارهم، وليس عليهم وجه التحقيق.

{ فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } [محمد: 27]، يقلبون وجوههم عن الحق، ويقلبونها عن السفليات ويديرونها عن العلويات، { ذلك بأنهم اتبعوا مآ أسخط الله } [محمد: 28]، وهو الإعراض عن الحق تعالى والإقبال على الباطل في الدنيا وشهواتها، { وكرهوا رضونه } [محمد: 28] وهو مخالفات النفس والهوى، وترك الدنيا وموافقات الشرع ومتابعة الأنبياء؛ { فأحبط أعملهم } [محمد: 28]، إذا تغيرت أحوالهم.

ثم أخبر عن مرض أصحاب الغرض بقوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم } [محمد: 29]، يشير إلى أن من مرض القلوب الحسبان الفاسد والظنون الكاذبة، فظنوا أن الله لا يطلع على خبث عقائدهم ولا يظهره على رسوله، ليس الأمر كما توهموه؛ بل الله تعالى فضحهم وكشف تلبيسهم، ولقد أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم وعرفه أعيانهم.

[47.30-34]

وقال: { ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم } [محمد: 30]، بإراءته الحق تعالى إياه، وقال: { ولتعرفنهم في لحن القول } [محمد: 30]؛ أي: في معنى الخطاب؛ لأنك تنظر بنور الله فترى منشأ كلامهم، فيخبرك سرائرهم عن ضمائرهم، وأن الأسرة لتدل على السريرة؛ فالمؤمن ينظر بنور الفراسة، والعارف ينظر بنور التحقيق، والنبي ينظر بالله فلا يستتر عليه شيء، { والله يعلم أعمالكم } [محمد: 30] إنها صادرة بخباثة نياتكم.

Unknown page